قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩٧ - الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل و الموصل من الكلام و فيه مدح العالمين و ذم الغافلين عنه و تفسير الغريب و المشكل من القرآن
[البقرة: ٩٣] أي حب العجل. و من ذلك قوله عزّ و جلّ: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ [الكهف: ٧٤]. و لم يذكر قتله و المعنى بغير نفس قتلها فحذف الفعل و مثله أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض أضمر قوله بغير نفس قتلها أو بغير فساد في الأرض فاكتفى عنه بذكر غير الأولى و كذلك قوله: من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [آل عمران: ٨٣] معناه و من في الأرض و كذلك قوله: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] هو متصل بقوله سبحانه: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] و فصل بينهما النعت و الاستثناء و المعنى فما يكذبك بعد هذا البيان أيها الإنسان بالديانة فأي شيء يحملك على التكذيب بأن تدين الله تعالى و هو أحكم الحاكمين و من المبدل المضمر أيضا: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ [الإسراء: ٧٥] المعنى ضعف عذاب الأحياء و ضعف عذاب الموتى فأضمر ذكر العذاب و أبدل الأحياء و الموتى بذكر الحياة فأقام الوصف مقام الاسم. و يصلح أيضا أن يترك الوصف على لفظه و يضمر أهل فيكون ضعف عذاب أهل الحياة و ضعف عذاب أهل الممات كما أضمر أهل في ذكر القرية و ذكر العير فقال: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها [يوسف: ٨٢] و المعنى: و اسأل أهل القرية و أسأل أهل العير. و من هذا المعنى قوله تعالى: ثَقُلَتْ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [الأعراف: ١٨٧] هو من المبدل المضمر، فمبدله ثقلت و معناه خفيت. أبدل بدلالة المعنى عليه لأن الشيء إذا خفي علمه ثقل و كذلك قوله في السموات معناه على و مضمر أهل و المعنى خفيت على أهل السموات و أهل الأرض لا تأتيكم إلا بغتة يعني فجأة. و منه قوله عزّ و جلّ: تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: ٨٥] فيه مضمر و محذوف، فمحذوفه تزال، و مضمره لا التي هي جواب القسم، و المعنى: قالوا تاللّه لا تزال تفتؤا تذكر يوسف فأضمرت لا و أبدلت تزال بقوله تفتؤا و هي من مختصر الكلام و فصيحه و بليغه و هي لغة لبعض العرب و في القرآن من كل لغة. و من هذا قوله عزّ و جلّ: وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٨٢] و قوله سبحانه: بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْراً [إبراهيم: ٢٨] معناه تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون و كذلك بدلوا شكر نعمة الله كفرا بها و مثله فَكَأَيِّنْ من قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [الحج: ٤٥]: وَ كَأَيِّنْ من قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها [الحج: ٤٨] معناه أهل قرية مثل قوله: وَ سئَلِ العَيرَ [يوسف: ٨٢] المعنى أهل العير و العير هي الإبل المجهولة و هذا الذي تسميه النحويون المجاز. و هكذا قوله: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩] معناه للطريقة التي هي أقوم. و مثل هذا قوله عزّ و جلّ: وَ قُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ