قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩٦ - الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل و الموصل من الكلام و فيه مدح العالمين و ذم الغافلين عنه و تفسير الغريب و المشكل من القرآن
الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل و الموصل من الكلام و فيه مدح العالمين و ذم الغافلين عنه و تفسير الغريب و المشكل من القرآن باختصار الأصول الدالة على المعنى فأما ظاهر الكلام فعلى معنيين عجيبين و هو مجمل مختصر و موصل مكرر فإجماله و اختصاره للبلاغة و الإيجاز قال تعالى: إِنَّ في هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ [الأنبياء: ١٠٦] و مكرره و تفصيله للإفهام و التذكار. قال الله تعالى: وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القص ٥١]. و قال عزّ و جلّ في المبهم المجمل و التوحيد المفصل: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ من لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١] فهذه ثلاثة أسماء الله لطيف رحيم و قيل بل هي حروف من اسم و هو الرحمن ثم أظهر السبب فقال كتاب أحكمت آياته يعني بالتوحيد ثم فصلت أي بالوعد و الوعيد ثم قال من لدن حكيم أي للأحكام خبير أي بالأحكام خبير بالتفصيل للحلال و الحرام ألا تعبدوا إلا الله هذا هو التوحيد الذي أحكمه أنني لكم منه نذير و بشير هذا الوعد و الوعيد الذي أعمله فمن المختصر للإيجاز قوله تعالى: وَ آتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها [الإسراء: ٥٩]. ففي هذا مختصر و محذوفان فالمضمر قوله مبصرة المعنى آية مبصرة فأضمر و محذوفاه قوله فظلموا بها المعنى ظلموا أنفسهم بالتكذيب بها فاختصرت كلمتان من كلمتين للإيجاز و مثله قوله: وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها [البقرة: ٢٥٩] الخواء الخلاء و العروش السقوف و هو جمع عرش فكيف تكون خاوية من العروش و العروش موجودة فيها، فهذا من المختصر المحذوف و معناه و هي خاوية من ثمرها أو من أهلها واقعة على عروشها و مثله قوله تعالى: وَ لكِنَّ الْبِرَّ من آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: ١٧٧]. حذف الفعل و أقيم الاسم مقامه فالمعنى فيه و لكن البرّ برّ من آمن باللّه و قد يكون من المبدل فيكون المحذوف هو اسم أبدل الفعل مكانه و لكن البر من آمن باللّه فلمّا كان البر وصفه أقيم مكانه و ممثل معنى الأوّل قوله عزّ و جلّ: وَ أُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ