قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٩٥ - ذكر أحزاب القرآن و كيف حزبه الصحابة رضي الله عنهم
و الوصول بالوصف و المبالغة في الفعل فلما أعطاهم الأيدي و الأبصار عبروا بقواهم إلى ما أبصروا ففروا إلى الله عزّ و جلّ من الخلق حين ذكروه بما خلق فخرجوا على معيار حسن الابتلاء و لم ينقصهم البلاء شيئا فكانوا كما أخبروا كالذي أمر في قوله عزّ و جلّ: وَ من كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَفِرُّوا إِلَى الله [الذاريات: ٤٩] ثم قال: وَ لا تَجْعَلُوا مَعَ الله إِلهاً آخَرَ [الذاريات: ٥١] فكانوا هم الموحدون المخلصون له و كان هو المنفرد المستخلص لهم ثم جاوزوا التذكرة بالأشياء إليه فذكروه عنده به، فحينئذ هربوا إليه منه حين هللوه به فلم يتألهوا إلى ما سواه كما لم يعبدوا إلّا إياه و كذلك رأيتها في مصحف عبد الله ففروا إلى الله منه إني لكم منه نذير مبين. و في الخبر عن ابن مسعود و بعض الرواة يرفعه و قد روينا مسندا من طريق و هو خصوص العارفين من المحبين و الخالصين اطلعوا على السرّ و أوقفوا على الخبر فكانوا مقربين شاهدين أن للقرآن ظهرا و بطنا و حدا و مطلعا فنقول فظهره لأهل العربية و باطنه لأهل اليقين وحده لأهل الظاهر و مطلعه لأهل الأشراف و هم العارفون المحبون و الخائفون اطلعوا على لطف المطلع بعد أن خافوا هول المطلع فأودعوا السرّ عند مقام أمين و أوقفوا على الخبر في حال مكين فكانوا لديه مقربين إذ كانوا به شاهدين. و قال النبي صلّى الله عليه و سلّم: يرى الشاهد ما لا يرى الغائب فمن حضر شهد و من شهد وجد و من وجد وحد و من وحد عزز و من غاب عمي و من عمي فقد و من فقد نسي و من نسي فقد نسي و قد قال الله عزّ و جلّ: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [طه: ١٢٦] أي تركتها فلم تعبأ بها و لم تنظر إليها و هكذا اليوم تترك فلا ينظر إليك برحمة و لا تكلم بلطف و لا تزلف بقرب.