قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٣١ - شرح مقام الزهد و وصف أحوال الزاهدين و هو المقام السادس من مقامات اليقين
بك لينظر كيف نعمل في الزهد فيك و الأثرة له سبحانه و تعالى. و عرفناه أيضا بالمقت لك فوافقناه في ذلك و عرفناه أيضا فتألهت قلوبنا إليه أعرضنا عمّا سواه. و كذلك كان الحسن رحمه الله تعالى يصف أشياخه كان أحدهم يعرض عليه المال الحلال فيقال: خذه فاستغن به فيقول لا حاجة لي فيه أخاف أن يفسد على قلبي فهذا كان له قلب صالح راعاه فخاف تغيّره كذلك. روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: إنه مرّ بجدي ميت أجرب فقال: أ ترون هذا هان على أهله قلنا: يا رسول الله من هو؟ إنه ألقوه فقال للدنيا أهون على الله تعالى من هذا على أهله. و في لفظ آخر: أنه قال: أيكم يحبّ أن هذا له بدرهم قلنا: لا أينا و أي شيء يساوي هذا؟ قال صلّى الله عليه و سلم: الدنيا أهون على الله تعالى من هذا عليكم. و كذلك أخبر بالغاية في قلتها و عدم قيمتها بقوله: و لو كانت الدنيا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء. و ضرب المثل في نتنها و انقلابها على أهلها بقوله للأعرابي: أ رأيت ما تأكلون و تشربون أ لستم تتغوطون و تبولون؟ قال: بلى. قال: فإلى أي شيء يصير؟ قال: إلى ما علمت يا رسول الله قال أ ليس يقعد أحدكم خلف بيته فيجعل يده على أنفه من نتن ريحه. قال: نعم قال: فإن الله تعالى جعل الدنيا مثلا لما يخرج من ابن آدم. و كذلك روينا في تأويل قوله تعالى: وَ في أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] قيل: مواضع الغائط و البول. و قال سبحانه و تعالى: وَ ما الْحَياةُ الدُّنْيا في الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ [الرعد: ٢٦] قال بعض أهل اللغة: متاع أي جيفة. سمعت عن الأصمعي. قال بعض العرب يقول متع اللحم إذا تغير و أنتن. و قد كان الحسن رحمه الله تعالى يقول لما هبط آدم عليه السلام إلى الدنيا كان أوّل شيء عمل فيها أنه أحدث. و روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنه نظر إلى ما خرج منه فآذاه ريحه فاغتمّ لذلك فقال له جبريل: هذه رائحة خطيئتك فشهد العقلاء عن الله تعالى الدنيا في صورة كنيف فلم يدخلوا فيها إلا ضرورة فكلما استغنيت عن دخولك الكنيف كان أفضل و شهدها بعضهم جيفة فلم ينالوا منها إلا بلغة فكلما تقللت من الجيفة كان خيرا. و قال وهب بن منبه: قرأت في بعض الكتب: يا ابن آدم إن تردني أترك الدنيا و إن ترد الدنيا طال عناك. و في بعض كتب الله تعالى: يا ابن آدم أنا بدك اللازم فلا تؤثر على ما منه بد. و قال بعض المخبرين عن الله سبحانه و تعالى: إنه أوحى إلى الدنيا: اخدمي من خدمني و أتعبي من خدمك. و قال آخر: و قد روينا مسندا أن الله تعالى أوحى إلى الدنيا: تمرري لأوليائي