قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٢٧ - شرح مقام الزهد و وصف أحوال الزاهدين و هو المقام السادس من مقامات اليقين
[القص ٨٠] قيل: هم الزاهدون في الدنيا. و قال عزّ و جلّ: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [القص ٥٤]. جاء في التفسير صبروا على الزهد في الدنيا و قال جلّ و علا: وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ من كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٣- ٢٤]. قيل على الفقر. و يشهد للصبر عن الدنيا في هاتين الآيتين قوله عزّ و جلّ في وصف العلماء الزاهدين لما قال: وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ الله خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ [القص ٨٠]. قال عقيب ذلك في بقية ثنائه عليهم: وَ لا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص: ٨٠] أي عن زينة الدنيا. ثم قال في مدحهم بوصف آخر: يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [القص ٥٤] فقد حصل للزاهد أجران بصبره على الفقر و بوجود زهده، و للفقير المعدم أجر واحد على الغني لوجود فقره و عدم زهده و على ذلك تأويل الخبرين عن النبي صلّى الله عليه و سلم أنه قال في أحدهما: يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا. و قال في الخبر الآخر يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام لأن الفقير الزاهد يدخل الجنة قبل الغني المصلح بخمسمائة عام، و هؤلاء خصوص الفقراء. و إن الفقير غير الزاهد يدخل الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا لأجل فقره فقط، و هم عموم الفقراء، فصار الأغنياء مفضولين في الحالين معا، و إن جملة الفقراء يدخلون الجنة قبلهم لمكان غناهم في الدنيا، و إن عموم الأغنياء من أهل الدنيا و أبنائها موقوفون للحساب و مطالبون بالإنفاق و الاكتساب بالخبر الثالث: اطلعت في الجنة فإذا أكثر أهلها الفقراء و اطلعت في النار فإذا أكثر أهلها الأغنياء و في معناه الخبر الآخر فقلت: أين الأغنياء؟ فقال: حبسهم الجد أي الحظ. و قد سمّى الله تعالى الفقراء الزاهدين محسنين و وضع عنهم السبيل فقال تعالى: وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ [التوبة: ٩١]. ثم قال: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ من سَبِيلٍ [التوبة: ٩١] ثم نصّ على ذكر من عليه الحجة و المطالبة فقال جلّ و علا: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ [التوبة: ٩٣] يعني النساء. و على هذا المعنى جاء تأويل قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: ٧] قيل: أزهد في الدنيا فصار الإحسان مقام الزاهدين، و هو وصف اليقين. كذلك فسّره رسول الله صلّى الله عليه و سلم لما سئل ما الإحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، يعني على اليقين و هو المشاهدة و لعمري أن الزهد حال الموقن لأن مقتضى يقينه. و قد يحتجّ متوهّم بفضل الأغنياء على الفقراء عنده لقوله تعالى مخبرا عن الفقراء: تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ من الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢]. يعلم