قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٢٤ - ذكر تفصيل هذه المخاوف
و المعروف أيضا هو المألوف ذو أخلاق مرجوّة من الكرم و الرفق و الرحمة و اللطف. فإذا شهد القلب ما آمن به من هذه الأخلاق رجا من شهده بها فصار العبد لوصفيه الرجاء و الخوف عن معنى شهادتيه المخوفة و المرجوّة عن وصفي مخوفه و مرجوّة و صار كذي قلبين كأنه يرجو بقلب و يخاف بآخر، و إنما هما شهادتان في قلب واحد لأنهما مقامان لقلب واحد عن شهود مخوف و مرجوّ واحد، فهذا تفسير قول لقمان، و هو صفة المؤمن ذي الإيقان. إلا أن الخائف يوصف بما غلب عليه من الحال عما قوي عليه من مشاهدة و يندرج الرجاء في مقامه، و يوصف الراجي بما قوي عليه من الحال عن غلبة شهادته و ينطوي الخوف في مقامه و لا كنه للمخوف تعالى و علا و لا نهاية للمرجوّ عزّ و جلّ سبحانه و تعالى. فأما الشهيد الموقن العالم المقرّب فبالحالين جميعا يوصف مع اعتدالهما و بالوصفين جميعا يعرف مع استوائهما، ثم يغلب عليه الوصف التام و الحال الكامل. فإذا عرف به أدرج الوصفان فيه فيقال: صديق لأنه قد تحقق بالصدق فأغنى عن أن يقال مخلص، ثم يقال عارف لأنه قد رسخ في العلم فكفى أن يقال صادق ثم يقال مقرّب لأنه قد أشهد القرب فاقترب و لم يحتجّ إلى أن يقال عامل، و هذه أسماء الكمال و أحوال التمام لا يفتقر إلى ذكر حال دونها و لا يوصف بوصف كوصف خائف أو راج لوجودهما فيه و اعتدالهما عنده لأن الخوف و الرجاء قد فاضا عليه ثم غاضا فيه فإذا قلت عارف أو مقرب أو صديق. فقد دخل فيه وصف حبّ خائف راجع عامل لا محالة كما إذا قلت فلان هاشميّ استغنيت أن تقول قرشيّ أو عربيّ لأن كل هاشميّ يكون عربيّا قرشيّا لا محالة ثم تصفه بوصف التمام أيا فيندرج الوصفان فيه فتقول: فلان حسنيّ أو حسينيّ فاكتفيت أن تقول هاشميّ أو قرشىّ أو علويّ، و إن كان هاشميّا قرشيّا علويّا لأنه قد عرف أن كل حسينيّ فهو هاشمي قرشىّ علويّ لا محالة. فأما أن تقول: فلان عربيّ أو هاشميّ أو قرشيّ أو علويّ فلا يعرف إلا بما وسمته به لأنه قد يكون علويّا و هو الغاية في النسب و لا يكون حسينيّا و قد يكون هاشميا غير علويّ و يكون قرشيّا غير هاشميّ و يكون عربيا غير قرشي فيلزمه وصف ما عرفته حسب. فكذلك قولك: عارف أو محبّ أو مقرّب أو صديق هي اسم التمام و الكمال في المقامات التي تحتوي على جميع الأسباب كقولك: حسنيّ هو اسم التمام و شرف الكمال الذي يفوق على كل الأنساب و لا يصح مقام المعرفة إلا بعين اليقين و شاهد التوحيد بعد أن لا يبقى من النفس بقية في مقام اليقين و لا من الخلق رؤية في شاهد التوحيد فيكون روحانيّا بعد فناء النفس باليقين ربانيا عند شهود الخالق سبق منه التوحيد