قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٢ - الفصل الثامن في ذكر أوراد الليل الخمسة
الحمرة بعد الغروب و بعد الحمرة البياض و هو الشفق الثاني من أول الليل و هو آخر سلطان الشمس. و بعد البياض سواد الليل و غسقه، ثم ينقلب ذلك إلى الضد فيكون بدو طلوعها الشفق الأول و هو البياض و بعده الحمرة و هو شفقها الثاني و هو أول سلطانها من آخر الليل و بعده طلوع قرص الشمس. و الفجر هو انفجار شعاع الشمس من الفلك الأسفل إذا ظهرت على وجه الأرض الدنيا يستر عينها الجبال و البحار و الأقاليم المسروقة العالية و يظهر شعاعها منتشرا إلى وسط السماء عرضا مستطيرا فهذا آخر الورد الخامس و عنده يكون الوتر فإذا طلع الفجر فقد انقضت أوراد الليل الخمسة و دخلت أوراد النهار. فانظر هل دخلت في دخوله عليك في جملة العابدين أم خرج عنك و أنت فيه من الغافلين و تفكر أي لبسة ألبسك فإن الليل جعل لباسا هل ألبست فيه حلة النور بتيقظك فتربح تجارة لن تبور أم ألبسك الليل ثوب ظلمته فتكون ممن مات قلبه بموت جسده بغفلتك. ثم يقوم العبد حينئذ فيصلي ركعتي الفجر و هما معنى قوله تعالى: وَ من اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ إِدْبارَ النُّجُومِ [الطور: ٤٩]. قيل ركعتي الفجر ثم يقرأ: نعوذ باللّه من سخطه و بعده شهد الله أنه لا إله إلا هو إلى آخرها و يقول: أنا أشهد بما شهد الله به لنفسه و شهدت به ملائكته و أولو العلم من خلقه. و أستودع الله العظيم هذه الشهادة و هي لي عند الله وديعة حتى يؤديها و أسأله حفظها حتى يتوفاني الله عليها. اللّهم احطط بها عني وزرا، و اجعل لي بها عندك ذخرا، و احفظني بها و احفظها علي، و توفني عليها حتى ألقاك بها غير مبدل تبديلا. و أفضل ما عمل العبد في ورد من أوراد الليل و النهار بعد القيام بفرض يلزمه أو قضاء حاجة لأخيه المؤمن يعينه الصلاة بتدبر الخطاب، و مشاهدة المخاطب. فإن ذلك يجمع العبادة كلها ثم بعد ذلك التلاوة بتيقظ عقل و فراغ هم ثم أي عمل فتح له فيه من فكر أو ذكر برقة قلب و خشوع جوارح و مشاهدة غيب فإن ذلك أفضل أعماله في وقته.