قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٩ - ذكر تفصيل هذه المخاوف
القدرة بإظهار المشيئة. فأسفل البنية منوط بأعلاها فإذا اضطراب أعلاها مال أسفلها و إذا وصل الداء أو الدواء إلى عضو منها تداعى له سائرها، و هذه الطائفة أشبه بالفضل و أدخل في وصف العلم و قد سلك في هذا الطريق أكابر العماء و أفاضل أهل القلوب و قد كان هؤلاء في التابعين كثير منهم، الربيع بن خيثم و أويس القرني، و زرارة بن أوفى. و نظراؤهم من الأخيار رضي الله عنهم. و لم ينكر هذا عليّة الصحابة مثل عمر و ابن مسعود رضي الله عنهم. و قد كان عمر رضي الله عنه يغشى عليه حتى يضطرب مثل البعير و يسقط من قيام. و قد كان ذلك يلحق سعيد بن جذيم، و كان من زهاد أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و سلم، و من أمراء الأجناد بعثه عمر رضي الله عنه واليا على أهل الشام، و كان يوصف له من زهده و شدة فاقته ما يعاتبه عمر في ذلك و يبعث إليه بالمائة دينار و بأربعمائة دينار ليستنفقها على أهله فيفرق ذلك على الغزاة في قصة طويلة. فكتب إليه أهل الشام يذكرون شأنه، و كان يغشى عليه في مجلسه فخشوا عليه من دخيلة في عقله و لم يعرف ذلك أهل الشام فسأله عمر لما لقيه الذي يصيبه إذا تحدث فأخبره بما يجد من مشاهدته و هو وجد الصوفية من أهل الأحوال. فعرف عمر ذلك و عذره، و ما زاده ذلك عنده إلا خيرا فكان يرمه و يعرف له فضله. و كتب إلى أهل الشام أن لا تعنفوا في أمره و دعوه و قد كان أقوى الأقوياء و هادي الهداة رسول رب العالمين صلّى الله عليه و سلم يغشى عليه عند نزول الوحي إذا لبسه أزال ترتيب العقل منه و رفع مكان الكون عنه و يغط و يتربد وجهه و ينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي، إلا أن هذا كان يصيبه في ضرب من الوحي إذا تغشاه و نزل عليه روح القدس في روحه و استبطن قلبه لأن الوحي على أربعة أضرب، ضربان متصلان هذا أحدهما، و ضربان منفصلان. و من كل واحد يلحق العلماء باللّه تعالى أهل القلوب الناظرة و الشهادة الحاضرة. و شرح هذا يطول و ليس يعرفه علم يقين إلا من سلك طريقه و لا يشهده شهادة تحقيق إلا من ذاق حقيقته و من آمن به تصديق تسليم فله منه نصيب. إلا أن هذا في أهل مقامات ثلاث من المقرّبين، مقام المعرفة، و المحبة و الخوف. و كل ضروب الوحي بعد هذه الأربعة و هي عشرة لأهل هذه المقامات الثلاث منه نصيب خواطر أو وجد أو شهادة أو حال أو مقام، و هو وصف التمام إلا نوعين من أنواع الوحي فإنهما ممتنع و مخصوص بهما المرسلون، أحدهما ظهور الملك في صورته و سمع كلام الله بصفته و نظر رسول الله صلّى الله عليه و سلم إلى جبريل عليه السلام في صورته بالأبطح فصعق. و روى حمزة بن حمران بن أعين أن رسول الله صلّى الله عليه و سلم قرأ آية في سورة الحاقة فصعق