قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٦ - شرح مقام الخوف و وصف الخائفين و هو الخامس من مقامات اليقين
و الإشفاق الزهد. و كان يقول: دخول الخوف على الجاهل يدعوه إلى العلم، و دخوله على العالم يدعوه إلى الزهد، و دخوله على العامل يدعوه إلى الإخلاص. و قال أيضا الإخلاص فريضة لا تنال إلا بالخوف و لا ينال الخوف إلا بالزهد فقد صار الخوف يصلح للكافة إذ دخوله على العامة يخرجهم عن الحرام، و دخوله على الخاصة يدخلهم في الورع و الزهد، لأن من خاف ترك. و قال أيضا: من أحبّ أن يرى خوف الله تعالى في قلبه فلا يأكل إلا حلالا و لا يصلح علم الرجاء إلا للخائف. و قال: الخوف ذكر و المحبة أنثى. ألا ترى أن أكثر النساء يدعون المحبة يريد بهذا أن فضل الخوف على الرجاء كفضل الذكر على الأنثى، و هذا كما قال لأن الخوف حال العلماء، و الرجاء حال العمّال. و فضل العالم على العابد كفضل القمر على الكواكب. و روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم «فضل من علم أحبّ إليّ من فضل من عمل، و خير دينكم الورع» و اعلم أن الخوف عند العلماء على غير ما يتصوّر في أوهام العامة و خلاف ما يعدّونه من القلق و الاحتراق أو الوله و الانزعاج لأن هذه خطرات و أحوال و مواجيد للوالهين و ليست من حقيقة العلم في شيء، بمنزلة مواجيد بعض الصوفية من العارفين في أحوال المحبة، من احتراقهم و ولههم. و الخوف عند العلماء إنما هو اسم لصحيح العلم و صدق المشاهدة، فإذا أعطى عبد حقيقة العلم و صدق اليقين سمي هذا خائفا، فلذلك كان النبي صلّى الله عليه و سلم من أخوف الخلق، لأنه كان على حقيقة العلم و من أشدهم حبا للَّه تعالى، لأنه كان في نهاية القرب، و قد كان حالة السكينة و الوقار في المقامين معا، و التمكين و التثبيت في الأحوال كلها، و لم يكن وصفه القلق و الانزعاج، و لا الوله و الاستهتار، و قد أعطي أضعاف عقول الخليقة و علومهم، و وسع قلبه لهم، و شرح صدره للصبر عليهم. فكان صلّى الله عليه و سلم مع الأعرابي كأنه أعرابي، و مع الصبي بمعناه، و مع المرأة في نحوها، يقاربهم في علومهم، و يخاطبهم بعقولهم، و يظهر منه مثل وجدهم، ليعطيهم نصيبهم من الأنس به، و يوفيهم حقوقهم من الدرك منه، و لئلا تعظم هيبته في صدورهم، فينقطعون عن السؤال له و الأنس به حكمة منه، لا يفطنون لها و رحمة منه قد جبل عليها، قد ألبس مواجيدهم لبسة، و أدخل ذلك عليه صبغة، بغير تكلف و لا تصنع، تعلم ذلك من الحكيم العليم، فلذلك وصفه عزّ و جلّ بخلقه، و تعجب من وصفه فقال تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] قيل على أخلاق الربوبية، و قرئت بالإضافة ليكون عظم اسم الله