قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١ - الفصل الثامن في ذكر أوراد الليل الخمسة
الفجر الأول ثم تغرب في الفلك الأسفل المتجانف و تحجبها الأرض السادسة فيذهب الضوء و يعود سواد الليل كما كان لغيبة الشمس و هو الثلث الأخير و فيه وردت الأخبار باهتزاز العرش و انتشار الرياح من جنات عدن و من نزول الجبار إلى سماء الدنيا و فيه الخبر الذي جاء أن النبي صلّى الله عليه و سلّم سئل أي الليل أفضل؟ فقال: نصف الليل الغابر يعني الباقي و هذا هو الورد الرابع من نصف الليل إلى وقت السحر الأول. ثم يدخل الورد الخامس و هو السحر الأخير و فيه يستحب السحور، فمن لم يتسحر في أوله بغته الفجر و هو قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار قراءة جزء من القرآن. في هذا الورد الخامس الاستغفار و قراءة القرآن و قد ذكره الله عزّ و جلّ في قوله: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء: ٧٨]. قيل تشهده ملائكة الليل و ملائكة النهار لتوسط هذا الورد بينهما. و من ذلك ذهب أهل الحجاز إلى أن الصلاة الوسطى التي نص الله تعالى على المحافظة عليها هي صلاة الفجر تعظيما لهذا الوقت و تشريفا له لتوسطه بين آخر الليل و أول النهار. فهذا الورد هو أقصر الأوراد و من أفضلها و هو من السحر الأول إلى طلوع الفجر الثاني إلا ما كان من صلاة نصف الليل فذلك هو أفضل شيء من الليل، و هو أوسط الأوراد لأنه هو الورد الثالث. و يصلح في هذا الورد الخامس من السحر الأخير الصلاة لمن استيقظ من ساعته أو لمن تمم به صلاته. فالصلاة فيه لها فضل و شرف و هو بمنزلة الصلاة في أول الليل بين العشاءين. و لأن معنى قوله عزّ و جلّ عند بعض المفسرين: وَ بِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: ١٨]. أي يصلون و كذلك قوله عزّ و جلّ: وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء: ٧٨] يعني به الصلاة فكنى بذلك القرآن و الاستغفار عن الصلاة لأنهما وصفان منها، كما قيل للصلاة تسبيح و سبحة لأن فيها التسبيح. و كذلك يقال للصلاة استغفار لأنه يطلب بها المغفرة و تكون هذه الصلاة في السحر بدلا من السحور إلى طلوع الفجر الثاني و قد أمر بها سلمان أخاه أبا الدرداء ليلة زاره في حديث طويل قال في آخره: فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان: نم. فنام ثم ذهب ليقوم فقال له: نم. فنام فلما كان عند الصبح قال له سلمان: قم الآن فقاما. فصليا. فقال: إن لنفسك عليك حقا و إن لأهلك عليك حقا و إن لربك عليك حقّا و إن لضيفك عليك حقّا فأعط كل ذي حق حقه، و ذلك أن امرأة أبي الدرداء أخبرت سلمان أنه لا ينام الليل، قال: فأتيا النبي صلّى الله عليه و سلّم فذكرا ذلك له فقال: صدق سلمان. و هذا الورد الخامس يشبه الورد السابع من النهار قبل الغروب في فضل وقتيهما و هذا قبل الفجر الثاني. و الفجر الثاني هو انشقاق شفق الشمس و هو بدو بياضها الذي تحته الحمرة و هو الشفق الثاني على ضد غروبها، لأن شفقها الأول من العشاء و هو