قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٦ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
لمقت الله في الدنيا على معاصيه أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم في العذاب، كما أن رضاه غدا تنعيمهم في جنته كذلك رضاه اليوم عملهم بطاعته و مرضاته، و هذا وصف عبد مراد مكاشف بعلم اليقين. و من هذا حديث زيد الخيل إذ قال للنبي صلّى الله عليه و سلم: جئتك أسألك عن علامة الله تعالى فيمن يريد و علامته فيمن لا يريد فقال: كيف أصبحت فقال: أصبحت أحبّ الخير و أهله و إذا قدرت على شيء منه سارعت إليه و أيقنت بثوابه و إذا فاتني شيء منه حزنت عليه و حننت إليه فقال صلّى الله عليه و سلم: هذه علامة الله تعالى فيمن يريد و لو أرادك للأخرى هيأك لها، ثم لم يبال في أي أوديتها هلكت. و من الرجاء التلذذ بدوام حسن الإقبال و التنعّم بمناجاة ذي الجلال و حسن الإصغاء إلى محادثة القريب و التلطّف في التملق للحبيب و حسن الظنّ به في العفو الجميل و منال الفضل الجزيل. و قال بعض العارفين: للتوحيد نور و للشرك نار، و نور التوحيد أحرق لسيئات المؤمن من نار الشرك لحسنات المشرك، و لما احتضر سليمان التيمي قال لابنه: يا بني حدثني بالرخص و اذكر لي الرجاء حتى ألقى الله تعالى على حسن الظنّ به. و كذلك لما حضر سفيان الثوري رضي الله عنه الوفاة جعل العلماء حوله يرجونه. و حدثنا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال لابنه عند الموت: اذكر لي الأخبار التي فيها الرجاء و حسن الظنّ، فلو لا أن الرجاء و حسن الظنّ من فواضل المقامات ما طلبه العلماء في آخر الأوقات عند فراق العمر و لقاء المولى لتكون الخاتمة به و هم يسألون الله حسن الخاتمة طول الحياة. و لذلك قيل: إن الخوف أفضل ما دام حيّا فإذا حضر الموت فالرجاء أفضل. و قد كان يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى يقول في مقامات الرجاء: إذا كان توحيد ساعة يحبط ذنوب خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة ما ذا سيصنع بالذنوب؟. و قال أبو محمد سهل رضي الله عنه: لا يصبح الخوف إلا لأهل الرجاء. و قال مرّة: العلماء مقطوعون إلا الخائفين، و الخائفون مقطوعون إلا الراجين، و كان يجعل الرجاء مقاما في المحبة و هو عند العلماء أوّل مقامات المحبة، ثم يعلو في الحبّ على قدر ارتفاعه في الرجاء و حسن الظن. و روينا عن النبي صلّى الله عليه و سلم أحاديث في الرجاء لا يصلح ذكرها لعموم الناس و لكن نذكر من ذلك ما ظهر خلق الله تعالى لجهنم من فضل رحمته سوطا يسوق الله عزّ و جلّ به عباده إلى الجنة. و خبر آخر، يقول الله تعالى: إنما خلقت الخلق ليربحوا عليّ و لم أخلقهم لأربح عليهم. و في حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه و سلم: ما خلق الله تعالى شيئا إلا جعل له ما يغلبه و جعل رحمته تغلب غضبه. و الخبر المشهور: إن الله تعالى كتب على نفسه قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي