قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٥ - شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين
قرن الله تعالى بينهما و وصف المؤمنين بهما فقال: إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [لقمان: ٣١] فذكر الشكر بلفظ المبالغة في الوصف على وزن فعول، كما ذكر الصبر على وزن فعّال و هو وصف المبالغة أيضا، و لذلك اقتسما الإيمان نصفين، كما جاء في الخبر: الصبر نصف الإيمان، و الشكر نصف الإيمان، و اليقين الإيمان كله، لأن اليقين أصلهما و هما ثمرتاه عنه يوجدان لأن الشاكر أيقن بالنعمة أنها من المنعم و أيقن بإنجاز ما وعده من المزيد فشكر كما أيقن الصابر بمسّه بالبلاء لأنه هو المبتلى و أيقن بثواب المبلي و حسن ثنائه على الصابرين فصبر فلا حول و لا قوّة إلا باللّه العلي العظيم، فهما حالا الموقن إذ لا يخلو في أدنى وقت من أحد اثنين، بليّة و تحية. إذ في كل شيء له آية فحاله في البليّة الصبر، و حاله في التحية الشكر، و الله يحب الصابرين و يحب الشاكر و هذا آخر شرح مقام الشكر و الحمد للَّه ربّ العالمين. شرح مقام الرجاء و وصف الراجين و هو الرابع من مقامات اليقين. قال الله تعالى: الله لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ من يَشاءُ [الشورى: ١٩] و قال: جلت قدرته: وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [الأحزاب: ٤٣] و قال تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر: ٥٣] و روينا في قراءة النبي صلّى الله عليه و سلم: و لا يبالي أنه هو الغفور الرحيم. و في الأخبار المشهورة فقبض قبضة فقال: هؤلاء في الجنة و لا أبالي المعنى و الله أعلم أن رحمتي وسعت كل شيء فليس يضيق هؤلاء عنها و لا أبالي بدخولهم فيها، و يكون هؤلاء أيضا في الجنة، و لا أبالي بأعمالهم السيئة كلها. و قال سبحانه و تعالى في وصف المتقين: وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله [آل عمران: ١٣٥] فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب إلا الله. و قال عزّ و جلّ في وصف المتوكلين: إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم: ٣٢] و قال تعالى مخبرا عن الملائكة الحافين حول عرشه: وَ الْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ في الْأَرْضِ [الشورى: ٥] و أخبر عزّ و جلّ أن النار أعدها لأعدائه و أنه خوّف بها أولياءه. فقال تعالى: لَهُمْ من فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ من النَّارِ وَ من تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ الله به عِبادَهُ [الزمر: ١٦] و مثله قول عزّ و جلّ: وَ اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [آل عمران: ١٣١] و قال: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى [الليل: ١٤] لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب و تولى. و قال تعالى في عفوه عن الظالمين وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ [الرعد: ٦].