قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٣ - الفصل السابع في ذكر أوراد النهار
و كان سفيان الثوري يقول: كان يعجبهم إذا تفرغوا أن يناموا طلبا للسلامة. فمن الناس من يكون أحسن أحواله النوم و ليت العبد يكون يقظته كالنوم إذ في نومه السلامة و أفضل أعماله في هذا الوقت السلامة. و إنما الفضائل لأهل الأفضال الذين زادوا على السلامة و العدل بالإحسان، و الفضل. فإن نام في هذا الوقت فهو حينئذ نوم القائلة و ما تسبب فيه من المعايش يصنعه في هذا الوقت من الضحى الأعلى إلى زوال الشمس، و هذا هو الورد الثالث من النهار. ثم يتوضأ للصلاة قبل دخول وقتها و كذلك و يستحب و هو من المحافظة عليها و الإقامة لها فإن حصلت كفايته في يومه و قوته في وقت من النهار ترك السوق و دخل بيته أو قعد في بيت مولاه تعالى و اشتغل بخدمته متزودا لعاقبته. و قد كان الصالحون كذلك يفعلون. كان يقال لا يوجد المؤمن إلا في ثلاث مواطن: مسجد يعمره، أو بيت يستره، أو حاجة لا بدّ له منها. فإذا زالت الشمس فإن أبواب السماء تفتح للمصلين و الذاكرين و يستجاب الدعاء للمؤمنين. فهذا هو الورد الرابع من النهار. فليصل بعد الزوال أربع ركعات يقرأ فيهن بمقدار سورة البقرة أو سورتين من المائتين أو أربع من المثاني يطيلهنّ و يحسنهن و لا يفصل بينهن بتسليم هذه الصلاة و حدها من بين صلاة النهار أربع ركعات بتسليمة واحدة. و هذا الورد هو الإظهار الذي ذكر الله عزّ و جلّ الحمد فيه فقال: وَ لَهُ الْحَمْدُ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ [الروم: ١٨]. و ليتق العبد الصلاة عند استواء الشمس في كبد السماء و هو قبل زوالها عند تقلص الظل و قيام ظل كل شيء تحته، فإذا زال الظل فقد زالت و قد خفي استواؤها في الشتاء لقصر النهار و لعدول الشمس في سيرها عن وسط الفلك فتقطع عرضا فيكون أقرب لغروبها فليقدر ذلك تقريبا و مقدار استوائها قبل الزوال نحو أربع ركعات بجزء من القرآن أو قدر جزء و هو آخر الورد الثالث، و إنما فيه ورد القراءة و التسبيح و التفكر و هو أحد الأوقات الخمسة التي نهى النبي صلّى الله عليه و سلّم عن الصلاة فيهن و الأربعة الأخر عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمحين في عين الناظر و عند تدليها للغروب حتى تحتجب و بعد صلاة الصبح و بعد صلاة العصر و أحب له الإحياء ما بين الأذان و الإقامة بالركوع، لأنها ساعة مستجاب فيها الدعاء و تفتح فيها أبواب السماء و تزكو فيها الأعمال. و أفضل أوقات النهار أوقات الفرائض فإن لم يقرأ بين الأذانين من درسه فاستحب له أن يقرأ في تنفله الآي التي فيها الدعاء مثل آخر سورة آل عمران و من تضاعيف السور الاثنين و الثلاث مثل قوله تعالى: أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ [الأعراف: ١٥٥]. و مثل قوله: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا [آل عمران: ٨]. و قوله: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة: ٤]. و إن قرأ الآي التي فيها التعظيم و التسبيح و الأسماء الحسني فحسن، مثل