قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢ - الفصل السابع في ذكر أوراد النهار
ما يجل وصفه، اختصرناه. روينا عن الحسن أن النبي صلّى الله عليه و سلّم كان يذكر من رحمة ربه أنه قال يا ابن آدم اذكرني من بعد صلاة الفجر ساعة و بعد صلاة العصر ساعة أكفك ما بينهما. فإذا ارتفعت الشمس و ابيضت صلّى الضحى ثماني ركعات و هذا الوقت هو الذي ذكره الله عزّ و جلّ في قوله يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ [ ١٨] ثم ينظر، فإن علم مريضا عاده، و إن حضرت جنازة شيعها، و إن كانت معونة على برّ و تقوى سعى فيها، و إن كانت حاجة لأخ من إخوانه قضاها، و إن كانت فرضا يلزمه القيام به سارع إليه، و إن لاح له فضل ندب إليه انتهزه قبل فوته. فهذا أفضل شيء يعمله بعد الأذكار و الأفكار من بعد طلوع الشمس. فإذا فرغ من ذلك و لم يتفق له ما ذكرناه من القربات أخذ في الصلاة أو تلاوة القرآن أو صنوف الأذكار ممّا أمر به أو ندب إليه أو المحاسبة لنفسه فيما سلف أو المطالبة لها و الاستخراج منها فيما يأتنف أو المراقبة لربه في كل حال إلى أن تنبسط الشمس و ترمض الفصال و يرتفع النهار. هذا هو الورد الثاني من النهار و هو الضحى الأعلى الذي أقسم الله تعالى به فقال: وَ الضُّحى [الضحى: ١]. أي إذا أضحت الأقدام بحرّ الشمس. و إذا كان العبد على ذلك فقد اتبع ما أنزل إليه ربّه عزّ و جلّ، و قد سمع قوله عزّ و جلّ: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من رَبِّكُمْ [الأعراف: ٣]. لأنه قال: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها [النمل: ٩١]. ثم قال: وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ [النمل: ٩٢]. كما قال تعالى: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ من الْكِتابِ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ [العنكبوت: ٤٥] و صلاة الضحى في هذا الوقت أفضل و هو حقيقة وقتها لوجود اسمها. قال النبي صلّى الله عليه و سلّم صلاة الضحى إذا رمضت الفصال. و خرج على أصحابه عليه الصلاة و السلام يوما و هم يصلون عند الإشراق فنادى بأعلى صوته ألا إنّ صلاة الأوّابين إذا رمضت الفصال. و قوله الأوّابين يعني التوابين إلى الله عزّ و جلّ في كل وقت. ثم ليأخذ العبد بعد ذلك فيما ندب إليه و أبيح له من التصرف في معاش إن كان من تجارة بصدق أو صناعة بنصح إن أحوج إلى ذلك و ليكتف إن كفى. و أدنى أحواله الصمت و النوم ففيهما سلامة من الآثام و مخالطة الأنام فقد جاء في العلم يأتي على الناس زمان يكون أفضل علمهم الصمت و أفضل أعمالهم النوم. و من الناس من يكون أحسن أحواله النوم و ليت العبد يكون في اليقظة كالنوم إذ في نومه سلامة و السلامة متعذرة في يقظته و إنما الفضائل للأفاضل الذين زادوا على السلامة و العدل بالإحسان و الفضل. هذا لدخول المشكلات في الكلام و وجود الآفات في الأحوال و خروج الإخلاص من الأعمال.