قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٠٩ - باب تفضيل علم الإيمان و اليقين على سائر العلوم و التحذير من الزلل فيه و بيان ما ذكرناه
و جدال منافق في القرآن. و كان بعض السلف يقول: مثل العالم إذا زل مثل سفينة إذا غرقت غرق معها خلق كثير و مثل كسوف الشمس يصيح الناس يا غافلون الصلاة و إنها عند العامة آية يفزع منها. و يروى في خبر غريب: من غشّ أمتي فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين قيل: يا رسول و ما غشّ أمتك؟ قال: أن يبتدع بدعة في الإسلام يحمل الناس عليها. و كان ابن عباس رضي الله عنه يقول ويل للعالم من الأتباع و ويل للأتباع من العالم يزل العالم بزلة فيتبعه عليها فئام من الناس و تبلغ الآفاق و ما أعلم أحدا أعظم جرما ممن ابتدع في دين الله عزّ و جلّ فنطق في كتاب الله تعالى و في علم المعرفة بما لم يأذن به الله ثم لم يعبأ بسنن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم الذي هو حجة الله تعالى على جميع خلقه و طريق مقربيه من عباده فأضل بذلك عباد الله عزّ و جلّ فإن مثل من ابتدع في الدين و اتخذ وليجة دون الكتاب و السنّة و بين طريق المؤمنين إلى جنب من يكاثر في أمور الدنيا و ارتكب فيها شهوات الأهواء كمثل من اجترح المظالم بين الناس في الأموال و الدماء إلى جنب من ظلم نفسه بكسب الذنوب بينه و بين ربه. إن مظالم العباد أعظم و هو الديوان الذي لا يترك، كذلك التمويه في الدين أعظم لأنه مظالم الآخرة و قطع طرقات المؤمنين و محو شريعة المرسلين. و مثله أيضا مثل من أذنب و جحد ذنبه و احتج لنفسه إلى من أذنب و اعترف بذنبه و اعتذر من نفسه فهو أقرب للعفو و أرجى للرحمة من الآخر. كذلك من اعتلّ بالتقصير و التفريط في العمل و لم ينصح لنفسه إلا أنه أظهر حقيقة العلم و نصح للَّه تعالى و لرسوله ببيان كتابه و ذكر سنته أقرب إلى حسن الإخلاص و أولى بالتدارك في العافية ممن شرع في دين الله تعالى و ابتدع في الأمة ما يخالف به الكتاب و السنّة. هكذا كأنه قد قلب ملة و بدل شريعة، فهذا يولد النفاق في قلبه حتى يختم له به و مثل من ابتدع في الملة مخالفا للسنّة إلى من أساء إلى نفسه بالذنوب مثل من عصى الملك في قلب دولته و تظاهر عليه في ملكه بالإزالة إلى جنب من عصى أمره و قصر في حقه من الرعية. و قد قال بعض الحكماء: ثلاث لا يحسن من الملك أن يغفرها، من قلب دولة من رعيته، أو عمل فيما يوهن الملك، أو أفسد حرمة من حرمه. و روينا عن النبي صلّى الله عليه و سلّم: إن الله تعالى ملكا ينادي كل يوم من خالف سنّة رسول الله صلّى الله عليه و سلّم لم تنله شفاعته. و قال علي كرّم الله وجهه: الهوى شريك العمى. و قال الله تعالى: وَ من أَصْدَقُ من الله [النساء: ٨٧] قيلا و من أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضلّ الناس بغير علم. ثم قال تعالى: أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ من قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ الله