قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٠٨ - باب تفضيل علم الإيمان و اليقين على سائر العلوم و التحذير من الزلل فيه و بيان ما ذكرناه
[الشعراء: ١٩٧]. و قال تعالى: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت: ٤٩]. و قال سبحانه و تعالى: إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: ٧٥]. و قال: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. [البقرة: ١١٨] و قال عزّ و جل: وَ لِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. [الأنعام: ١٠٥] فهؤلاء العلماء باللّه تعالى الناطقون عن الله عزّ و جلّ جعل لهم أنصبة منه و مكانا عنده. و لا يكون ذلك لمن ليس أهلا له و لا حقيقا به لأنهم آيات الله تعالى و بيناته و شهوده و بصائره كاشفو طريقه و مظهر و بيانه إذ يقول تعالى: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: ١٩]. ثم قال تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيانَ [الرحمن: ٣- ٤] بعد قوله: وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧]. مع قوله تعالى: وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها [الفتح: ٢٦] فنصروه بما نصرهم به و تحققوا بما حققهم منه و شهدوا له ما شهد لهم عنه فكانوا للمتقين إماما و إلى الهداية أعلاما. و قال بعض أهل المعرفة: من لم تكن له مشاهدة من هذا العلم لم يعر من شرك أو نفاق لأنه عار من علم اليقين و من عري من اليقين وجد فيه دقائق الشك. و قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة و أدنى النصيب منه التصديق به و تسليمه لأهله و قال آخر من كان فيه خصلتان لم يفتح له من هذا العلم شيء بدعة أو كبر. و قال طائفة من أهله: من كان محبا للدنيا أو مصرا على هوى لم يتحقق به. و قال أبو محمد سهل: أقل عقوبة من أنكر هذا العلم أن لا يرزق منه شيء أبدا. و اتفقوا على أنه علم الصديقين و أن من كان له منه نصيب فهو من المقربين و ينال درجة أصحاب اليمين. و أعلم أن علم التوحيد و معرفة الصفات مباين لسائر العلوم. فالاختلاف في سائر العلوم الظاهرة رحمة و الاختلاف في علم التوحيد ضلال و بدعة و الخطأ في علم الظاهر مغفور و ربما كانت حسنة إذا اجتهد و الخطأ في علم التوحيد و شهادة اليقين كفر من قبل أن العباد لم يكلفوا حقيقة العلم عند الله تعالى في طلب العلم الظاهر و عليهم واجب طلب موافقة الحقيقة عند الله في التوحيد و من ابتدع شيئا ردت عليه بدعته و كان مسئولا عنه و لم يكن حجة للَّه تعالى على عباده و لا غيثا نافعا في بلاده بل كان موصوفا بالدنيا و فيها من الراغبين و لم يكن دليلا على الله عزّ و جلّ و لا من دعاة الدين و لا إماما للمتقين. و قد جاء في الخبر: العلماء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا فإذا دخلوا في الدنيا فاحذروهم على دينكم. و الخبر المشهور: من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو ردّ. و قد روينا عن عيسى عليه السلام و قيل له: من أشد الناس فتنة فقال: زلة عالم إذا زلّ بزلته عالم. و قد روينا معناه عن نبينا محمد صلّى الله عليه و سلّم: مما أخاف على أمتي زلة عالم