قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٠٧ - باب تفضيل علم الإيمان و اليقين على سائر العلوم و التحذير من الزلل فيه و بيان ما ذكرناه
بعضهم: من أحب المدح و كره الذم فهو منافق. و قال عمر رضي الله عنه لرجل: من سيّد قومك؟ قال: أنا، قال: لو كنت كذلك لم تقل. و كتب محمد بن كعب، فانتسب فقال القرظي: قيل له: قل الأنصاري قال أكره أن أمنّ على الله عزّ و جلّ بما لم أفعل. و قال الثوري رضي الله عنه: إذا قيل لك بئس الرجل أنت تغضب فأنت بئس الرجل. و قال آخر: لا يزال فيك خير ما لم تر أن فيك خيرا. و سئل بعض العلماء: ما علامة النفاق؟ قال: الذي إذا مدح بما ليس فيه ارتاح لذلك قلبه. و كان سفيان رضي الله عنه يقول: إذا رأيت الرجل يحب أن يحبه الناس كلهم و يكره أن يذكره أحد بسوء فاعلم أنه منافق فهذا داخل في وصف الله تعالى المنافقين بقوله تعالى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ [النساء: ٩١]. فينبغي لمن أمن في أهل السنة أن يخاف في أهل البدع و هذا مما دخل على القرّاء الذي ذمّهم العلماء مداخل الليل في النهار و لعل مغرورا جاهلا يتأوّل الحديث الذي جاء إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه على غير تأويله و يحمله على غير محمله فإنما قال ربا الإيمان و لم يقل ربا المؤمن فربو الإيمان زيادته و زيادته بالخوف و الإشفاق من المكر به و الاستدراج و فيه طريق للعارفين بأن يعلو الإيمان العلي إلى المؤمن الأعلى فيفرح بذلك لمولاه و يضيفه إلى سيده الذي به تولّاه فيردّ الصنعة إلى صانعها و يشهد في الفطرة فاطرها فيكون ذلك مدحا للصانع و وصفا للفاطر لا ينظر إلى نفسه لا يعجب بوصفه و هذه طرقات قد درست و انقطع سلاكها إلا من رحم ربك. باب تفضيل علم الإيمان و اليقين على سائر العلوم و التحذير من الزلل فيه و بيان ما ذكرناه. اعلم أن كلّ علم من العلوم قد يتأتى حفظه و نشره لمنافق أو مبتدع أو مشرك إذا رغب فيه و حرص عليه لأنه نتيجة الذهن و ثمرة العقل إلا علم الإيمان و اليقين فإنه لا يتأتى ظهور مشاهدته و الكلام في حقائقه إلا لمؤمن موقن من قبل أن ذلك تقرير مزيد الإيمان و حقيقة العلم و الإيمان، فهو آيات الله تعالى و عهده عن مكاشفة قدرته و عظمته و آيات الله تعالى لا تكون للفاسقين و عهده لا ينال الظالمين و عظمته و قدرته لا تكون شهادة للزائغين و لا وجد للمبطلين إذ في ذلك توهين لآيات الله و حججه و انتقاص لبراهينه و قدرته و دخول الشك في اليقين الذي هو محجة المخلصين و الذين هم بقية الله من عباده و اشتباه الباطل بالحق الذي هو وصف أهل الصدق الذين هم أدلته عليه من أهل وداده و هذا من أدل دليل على فضل علم المعرفة على غيره قال الله عزّ و جلّ: أَ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ