قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٠٢ - ذكر تفصيل العلوم و معروفها و قديمها و محدثها و منكرها
فتوقف ثم أجابه ثم سأله مسألة أخرى من علم المعاملات فسكت و نظر إليه ثم قال: من تجالس من الناس فقال: منصور بن عمار و ابن السماك فقال: ألا تستحي تسألنا عن علم القلوب ثم تجالس القصّاص؟ قال: و أعرض عنه حتى قلنا له: يا أبا نصر إنه لا بأس به، إنه من أهل السنّة و قد كانوا يكرهون الصلاة في المقصورة و يرونها أنها أول بدعة أحدثت في المساجد و يكرهون تزويق المساجد و كذا القبلة بالزخرف و تحلية المصاحف و هذا من البدع. و في الخبر: إذا ما زخرفتم مساجدكم و حليتم مصاحفكم فالدبار عليكم و قد كانوا يكرهون كثرة المساجد في المحلة الواحدة. روي أن أنس بن مالك رضي الله عنهما لما دخل البصرة جعل كلما خطا خطوتين رأى مسجدا فقال: ما هذه البدعة؟ لما كثرت المساجد قلّ المصلون. أشهد لقد كانت القبيلة بأسرها ليس فيها إلا مسجد واحد. و كان أهل القبائل يتبانون المسجد الواحد في الحي من الأحياء و اختلفوا في أيهما يصلّي إذا اتفق مسجدان في محلة. فمنهم من قال في أقدمهما و إليه ذهب أنس بن مالك و غيره من الصحابة. قال: و كانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى المساجد العتق. و كان الحسن يقول: يصلي في أقربهما منه و يقال: أول ما حدث من البدع أربع: الموائد، و المناخل، و الأشنان، و الشبع. و كانوا يكرهون أن تكون أواني البيت غير الخزف و لا يتوضأ أهل الورع في آنية الصفر و النحاس. قال الجنيد: قال لي سري السقطي: اجتهد أن لا تستعمل من آنية بيتك إلا جنسك يعني من الطين. و يقال: لا حساب عليه. و مما كرهه السلف تشييد البناء بالجص و الآجر. يقال: أول من طبخ الطين هامان أمره به فرعون. و يقال: هو بناء الجبابرة. و كرهوا النقوش و التزويق في السقوف و الأبواب، و كانوا يغضون من النظر إلى ذلك و غاب الأحنف بن قيس غيبة فرجع و قد خضّروا سقف بيته و صفّروه فلما نظر إليه خرج من منزله و حلف أن لا يدخله حتى يقلعوا ذلك منه و يعيدوه كما كان. و قال يحيى بن معاذ من أصحاب الثوري رحمه الله: كنت أمشي مع الثوري في طريق فمررنا بباب منقوش مزوّق فنظرت إليه فجذبني سفيان حتى جزت فقلت: ما تكره من النظر إلى هذا؟ فقال: إنما بنوه لينظر إليه و لو كان كل من مرّ به لا ينظر إليه ما بنوه. فكأنه خشي أن يكون بنظره إليه معاونا له على بنائه. و مما أحدث الناس مما كانوا يكرهونه الثياب الرقاق مثل القصيب و رقيق بز مصر للنساء و الرجال و هو للنساء أكره و أغلظ و كانوا يقولون: الثياب الرقاق لباس الفساق و من رق ثوبه رق دينه و يقولون أول النسك الزي. و قال ابن مسعود رضي الله عنه لا يشبه الزي الزي حتى يشبه القلب القلب. و خطب بشر بن مروان و عليه ثوب رقيق فجعل رافع بن خديج رضي الله عنه يهزأ به و يقول: انظروا