قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩٣ - ذكر ما أحدث الناس من القول و الفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف
رسول الله صلّى الله عليه و سلّم لم يكن هو سمعه منه. و من ذلك استقصاء الرجل في المسألة عن حال أخيه و خبره. و قد كره ذلك. تزوّج سلمان الفارسي رضي الله عنه فلما دخل على أهله خرج إلى الناس من الغد فقال له رجل: كيف أنت يا أبا عبد الله قال بخير أحمد الله تعالى قال: كيف حالك و كيف بت البارحة. و في لفظ آخر كيف وجدت أهلك فغضب سلمان و قال: لم يسأل أحدكم فيخفي المسألة و ليسأل عما وراء البيوت يكفي أحدكم أن يسأل عن ظاهر الأمر و أما سليمان بن مهران الأعمش فإن رجلا قال له في منزله: كيف أنت يا أبا محمد؟ قال: بخير قال: كيف حالك؟ قال في عافية. قال: كيف بت البارحة؟ فصاح: يا جارية انزلي بالفراش و المخاد فأنزلت بذلك فقال: افشي و اضطجعي حتى أضطجع إلى جنبك لنرى أخانا كيف بت البارحة و كان يقول يلقى أحدهم أخاه فيسأله عن كل شيء حتى عن الدجاج في البيت و لو سأله درهما ما أعطاه و كان من مضى من السلف إذا لقي أخاه لا يزيد على قول: كيف أنتم أو حياكم الله بالسلام. و لو سأله شطر ماله قاسمه. و من ذلك قول الرجل لأخيه إذا لقيه ذاهبا في الطريق إلى أين تريد أو من أين جئت فقد كره هذا و ليس من السنة و لا الأدب و هو داخل في التجسس و التحسس لأن التحسس في الآثار و التجسس في الأخبار و هذا السؤال عن ذلك يجمعهما و قد لا يحب الرجل أن يعلم صاحبه أين يذهب و لا من أين جاء. و قد كره ذلك مجاهد و عطاء قالا: إذا لقيت أخاك في طريق فلا تسأله من أين جئت و لا أين يذهب فلعله أن يصدقك فتكره ذلك و لعله أن يكذبك فتكون قد حملته عليه و قد كانوا يكرهون بيع المصاحف و شراءها و كان بعضهم لبيعها أكره منه لشرائها. و قد ابتدع الناس علوما لم تكن تعرف فيما سلف منها: علم الكلام و الجدل و علوم المقايس و النظر و الاستدلال على سنن الرسول صلّى الله عليه و سلّم بأدلة الرأي و المعقول و منها إيثار علم العقل و الرأي و القياس على ظواهر القرآن و على الأخبار و منها: إظهار الإشارات بالمواجيد من غير علومها و لا بيان تفصيلها. و في ذلك تحيير للسامعين و إضلال للعاملين و إنما كان العلماء بهذا العلم يظهرون علوم المواجيد و يخفون الإشارة بالوجد فيظهرون للناس ما ينفع و يخفون ما يضر و لأن المواجيد أحوال قلوبهم فكتمها أفضل و علومها أنصبة المريدين و العاملين فإظهارها هو البغية لهم فأظهروه و أخفوا وجدهم لأنه سرّ لهم فسلموا من التصنع و الدعوى و أعطوا السامعين نصيبهم و منعوهم ما ليس لهم فعدلوا في الوصفين معا ففضلوا في الحالين جميعا فجهل هذا الآن فأظهر ضده و كان إلى الضرر أقرب و من السلامة أبعد. فمن لم يحسن التفصيل و لم يرزق العبارة فإنه يحسن الصمت فهو واسع إن من لم يتكلم بعلم