قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٨٧ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
و قد قال الله تعالى: وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ [الروم: ٥٦] ففرق بينهما يدل به أن من أوتي إيمانا أوتي علما كما أن من أوتي علما نافعا أوتي إيمانا و هذا أحد الوجوه في معنى قوله سبحانه: كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: ٢٢] أي قواهم بعلم الإيمان، فعلم الإيمان هو روحه و تكون الهاء عائدة إلى الإيمان و كذا العالم الذي هو من أهل الاستنباط و الاستدلال من الكتاب و السنّة فإنه أداة الصنعة و آلة الصنع لأنه ذو تمييز و بصيرة و من أهل التدبر و العبرة. فأما الجاهل و العامي الغافل فله أن يقلد العلماء و لعالم عموم أيضا أن يقلد عالم خصوص و للعالم بالعلم الظاهر أن يقلد من فوقه ممن جعل على علم باطن من أهل القلوب لأن النبي صلّى الله عليه و سلّم ردّ من علم الألسنة و الفتيا إلى علم القلوب و لم يرد أهل القلوب في علمهم الذين يختصمون به إلى المفتين لأنهم يأخذون من المفتين فتياهم ثم يجدون في قلوبهم حيكا و حزازة فيلزمهم فتيا القلب لقوله: استفت قلبك بعد قوله و إن أفتاك المفتون مع قوله الإثم حزاز القلوب إلى قوله ما حاك في صدرك فدعه و إن أفتوك و أفتوك ثم درس معرفة هذا فجهل فصار كل من نطق بكلام و صنعه غرب على السامعين لا يعرف حقه من باطله سمي عالما و كل كلام مستحسن زخرف رونقه لا أصل له يسمّى عالما لجهل العامة بالعلم أي شيء هو و لقلة معرفة السامع بوصف من سلف من العلماء كيف كانوا فصار كثير من متكلمي الزمان فتنة المفتون و صار كثير من الكلام و الرأي و المعقول الذي حقيقته جهل كأنه علم عند الجاهلين فلا يفرقون بين المتكلمين و العلماء و لا يميزون بين العلم و الكلام. و قد قلنا: إن خصوص الجهال يشبهون بالعلماء فيشتبهون على مجالسيهم في الحال. فأعلم الناس في زمانك هذا أعرفهم بسيرة المتقدمين و أعلمهم بطرائق السالفين ثم أعلمهم بالعلم أي شيء هو و بالعالم من هو من المتعلم و المتعالم و هذا كالفرض على طالبي العلم أن يعرفوه لأنه لما قال صلّى الله عليه و سلّم طلب العلم فريضة وجب عليهم أن يعرفوا أي شيء هو العلم حتى يطلبوه إذ لا يصح طلب ما لا يعرف ثم وجب عليهم من هذا أن يعرفوا العالم من هو ليطلبوا عنده العلم إذ العلم عرض و لا يقوم إلا بجسم فلا يوجد إلا عند أهله كما قيل لعلي كرم الله وجهه و قيل له إنك خالفت فلانا في كذا فقال خيرنا أتبعنا لهذا الدين، و كما قيل لسعد أن ابن المسيب يقرأ ما ننسخ من آية أو ننسأها فقال: إن القرآن لم ينزل على ابن المسيب و لا على أبيه ثم قرأ أو ننسها فأعلم الناس في هذا الوقت و أقربهم من التوفيق و الرشد أتبعهم لمن سلف و أشبههم بشمائل صالحيّ الخلف. كيف و قد روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم أنه سئل من أعلم الناس؟ فقال: أعرفهم بالحق إذا اشتبهت الأمور.