قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٨٦ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
المصاحف لأنه أحفظ له و ليرجع الناس إلى المصحف لما لا يؤمن من الاشتغال بأسباب الدنيا عنه فشرح الله تعالى صدر أبي بكر رضي الله عنه لذلك فجمع القرآن في الصحف المتفرقة في المصحف الواحد. و كذلك كانوا يتلقون العلم بعضهم عن بعض و يحفظونه حفظا هذا لطهارة القلوب من الريب و فراغها من أسباب الدنيا و صفائها من الهوى و علوّ الهمة و قوّة العزيمة و حسن النية ثم ظهرت بعد سنة مائتين و بعد تقضي ثلاثة قرون في القرن الرابع المرفوض مصنفات الكلام و كتب المتكلمين بالرأي و المعقول و القياس و ذهب علم المتقين و غابت معرفة الموقنين من علم التقوى و إلهام الرشد و اليقين فخلف من بعدهم خلف فلم نزل في الخلف إلى هذا الوقت ثم اختلط الأمر بعد هذا التفصيل في زماننا هذا، فصار المتكلمون يدعون علماء و القصاص يسمون عارفين و الرواة و النقلة يقال علماء من غير فقه في دين و لا بصيرة في يقين. و روينا عن ابن أبي عبلة قال: كنا نجلس إلى عطاء الخراساني بعد الصبح فيتكلم علينا فاحتبس ذات غداة فتكلم رجل من المؤذنين لا بأس به بمثل ما كان يتكلم به عطاء فأنكر صوته رجاء بن أبي حيوة فقال: من هذا المتكلم؟ فقال: أنا فلان فقال: اسكت فإنه يكره أن يسمع العلم إلا من أهله. و كذلك كانوا يقولون أبى أهل العلم باللّه تعالى أن يسمعوا هذا العلم إلا من أهله الزاهدين في الدنيا و كرهوا أن يسمعوه من أبناء الدنيا و زعموا أنه لا يليق بهم. و اعلم أن العبد إذا كان يذكر الله تعالى بالمعرفة و علم اليقين لم يسعه تقليد أحد من العلماء. و كذلك كان المتقدمون إذا افتتحوا هذا المقام خالفوا من حملوا عنه العلم لمزيد اليقين و الإفهام. و قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس أحد إلا يؤخذ من قوله و يترك إلا رسول الله صلّى الله عليه و سلّم. و قد كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه و قرأ على أبي بن كعب ثم خالف زيدا في الفقه و أبيا في القراءة. و قال بعض الفقهاء من السلف: ما جاءنا عن رسول الله قبلناه على الرأس و العين و ما جاءنا عن الصحابة فنأخذ به و نترك و ما جاءنا عن التابعين فهم رجال و نحن رجال قالوا: و نقول و لأجل ذلك كان الفقهاء يكرهون التقليد و يقولون: لا ينبغي للرجل أن يفتي حتى يعرف اختلاف الفقهاء أي فيختار منها على علمه الأحوط للدين و الأقوى باليقين. فلو كانوا يستحبون أن يفتي العالم بمذهب غيره لم يحتج أن يعرف الاختلاف و لكان إذا عرف مذهب صاحبه كفاه. و من ثم قيل: إن العبد يسأل غدا فيقال ما ذا عملت فيما علمت؟ و لا يقال له فيما علم غيرك.