قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٨٣ - باب ذكر الفرق بين علماء الدنيا و علماء الآخرة و ذم علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا
رحمه الله تعالى كان إذا اشتبهت عليه المسألة لاختلاف أقوال العلماء فيها و تكافؤ الاستدلال عليها رجع إلى علماء أهل المعرفة فسألهم قال: و كان يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يجلس الصبي بين يدي المكتب و يسأله كيف يفعل في كذا و كيف يصنع في كذا فيقال له مثلك يا أبا عبد الله في علمك و فقهك تسأل هذا البدوي فيقول: إن هذا وفق لما علمناه. و كان الشافعي رحمه الله قد اعتلّ علة شديدة و كان يقول: اللّهم إن كان في هذا رضاك فزدني منه فكتب إليه المعافري من سواد مصر: يا أبا عبد الله لست و إياك من رجال البلاء فنسأل الرضا الأولى بنا أن نسأل الرفق و العافية. فرجع الشافعي رحمه الله عن قوله هذا. و قال: أستغفر الله تعالى و أتوب إليه. فكان بعد ذلك رحمه الله يقول: اللّهم اجعل خيرتي فيما أحب و قد كان أحمد بن حنبل و يحيى بن معين رضي الله عنهما يختلفان إلى معروف بن فيروز الكرخي رحمهم الله و لم يكن يحسن من العلم و السنن ما يحسنانه فكانا يسألانه. و قد روي في الخبر قيل: يا رسول الله كيف نصنع إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب الله تعالى و لا في سنة رسول الله فقال سلوا الصالحين و اجعلوه شورى بينهم و لا تقضوا فيه أمرا دونهم و في حديث معاذ رضي الله عنه: فإن جاءك ما ليس في كتاب الله تعالى و لا سنة رسول الله قال: أقضي فيه بما قضى الصالحون فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله. و في بعضها اجتهد رأيي و حدثونا عن الجنيد قال: كنت إذا قمت من عند سري السقطي قال لي: إذا فارقتني من تجالس؟ فقلت: الحارث المحاسبي فقال: نعم خذ من علمه و أدبه و دع عنك تشقيقه للكلام و رده على المتكلمين. قال: فلما وليت سمعته يقول جعلك الله صاحب حديث صوفيا و لا جعلك صوفيا صاحب حديث يعني أنك إذا ابتدأت بعلم الحديث و الأثر و معرفة الأصول و السنن ثم تزهدت و تعبدت تقدمت في علم الصوفية و كنت صوفيا عارفا و إذا ابتدأت بالتعبد و التقوى و الحال شغلت به عن العلم و السنن فخرجت إما شاطحا أو غالطا لجهلك بالأصول و السنن فأحسن أحوالك أن ترجع إلى العلم الظاهر. و كتب الحديث لأنه هو الأصل الذي تفرع عليه العبادة و العلم و أنت قد بودئت بالفرع قبل الأصل. و قد قيل: إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول هو كتب الحديث و معرفة الآثار و السنن فإذا أنست رددت إلى الأصل فقد انحططت عن مرتبة الناقدين و نزلت من درجة العارفين و فاتك مزيد اليقين و الإيمان. و قال سفيان الثوري رضي الله عنه: كان الناس إذا طلبوا العلم عملوا فإذا عملوا أخلصوا فإذا أخلصوا هربوا و قال آخر: العالم إذا هرب من الناس فاطلبه و إذا طلب الناس