قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٢ - باب آخر من البيان و التفصيل
إرادته سابق علمه و كشف علم الغيب بظهور إرادته الشهادة فهو عالم الغيب و الشهادة فالغيب علمه و الشهادة معلومه فكيف يخالف المعلوم العلم و هو إجراؤه و الإرادة نفذت العلم في معلومات الخلق و هذا فرض التوحيد فخرجت النوافل عن الأمر خرجت المعاصي عن المحبة في تفصيل الأحكام. و تبين الحلال و الحرام و لم تخرج معصية عن مشيئة. و قد قال الله جلّ ثناؤه: وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: ٥٣]. و قد قال رسول الله: كل شيء بقضاء و قدر حتى العجز و الكيس فذكر عرضين لطيفين هما سببا المنع و العطاء و قد فرق عالمنا بين الأمر و الإرادة فرقا لطيفا فحدثني بعض أصحابنا أنه سئل عن قول الله عزّ و جلّ لما أمر إبليس بالسجود لآدم أراد منه ذلك أم لا فقال أراده و لم يرده منه يعني أراده شرعا و إظهارا و عليه إيجابا و لم يرده منه وقوعا و لا كونا إذ لا يكون إلا ما أراد الله تعالى إذ لو أراد كونه لكان و لو أراده فعلا لوقع لقوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]. فلما لم يكن علمت أنه لم يرده. فقد كان الأمران معا إرادته بالتكليف و التعبد و إرادته بأن لا يسجد كما لم يقدر من أن يمتنع من أن يؤمن. فكذلك القول في نهيه لآدم عن أكل الشجرة إنه أراد الأكل منه و لم يرده له أي أراده وقوعا و كونا لأنه قد وجد و كان كقوله إذا أردناه أن نقول له كن فيكون فلما كان علمت أنه أراده و لم يرده شرعا و لا أمرا لأنه لم يأمره به و لا شرعه له فقد كان الأمران جميعا إرادته أن يكون العبد مكلفا مأمورا و إرادته الأكل منه لأنه قد كان و كذلك القول في كل ما أمر به و أراده إنه أراد الأمر و النهي لهم ليكونوا مكلفين متعبدين و لم يرده ممن لم يكن منه الائتمار و الانتهاء لأنه قال تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠]. فأخبر أنه إذا أراد شيئا كونه كما أنه إذا كوّن شيئا فقد أراده بدلالة كونه. فلما لم يمكن الأمر من العاصين علمنا أنه لم يرده إذ لو أراده كان. و لما كان النهي من المأمورين علمنا أنه أراد كونه إذ لو لم يرده لم يكن. فصار كون الشيء دليلا على إرادته. و قد وقعت الإرادة بالأمر و النهي فكان الكل مأمورين منتهين و لم يقع الفعل من الكل لأنه لم يرد وقوعه إذ لو أراده كان و هذا أصل الابتلاء و إرادة ظهور البلاء. يأمر الله تعالى بالشيء و يريد كون ضده و قد أراد الأمر به حسب و ينهى عن الشيء و يريد كونه و قد أراد النهي عنه فقط. و قد كان عالمنا أبو الحسن رحمة الله عليه يتكلم في علم الأمر و الخير و في الابتلاء و القهر بمعان لا يهتدى إليها اليوم و لا يسأل عنها أحد أي يظهر الأمر بالترك و يظهر النهي بالفعل و يظهر الأحكام لوقوع البلاء و يقهر الجوارح بالجبر على إرادته للابتلاء و قد فرق الحسن البصري رحمه الله قبله و هو إمامنا في هذا العلم بين التعذيب على جريان العلم و مخالفة الأمر لما