قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٥ - الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب و صفة القلب و تمثيله بالأنوار و الجواهر
قدر تمكن هذه الثلاثة من النفس و حقائقها على مثل ما ذكرناه من تمكن خواطر اليقين و ضعفها لوجود مكانها و هو العلم و الإيمان و العقل. و في القلب يظهر سلطان ذلك أجمع فأي جند كانت المشيئة معه غلب. و روينا عن علي عليه السلام أن الله في أرضه آنية و هي القلوب فأحبها إليه أرقها و أصفاها و أصلبها. ثم فسره فقال: أصلبها في الدين و أصفاها في اليقين و أرقها على الإخوان فمثل القلوب مثل الأواني في تقارب جوهرها، فأرقها و أصفاها و أعلاها يصلح للملك و الوجه و الطيب. و أكثفها و أرداها يصلح للأدناس، و ما بين ذلك يصلح لما بينهما. و مثلهما أيضا مثل الموازين الطيار اللطيف و المعيار يصلح لوزن الذهب بالتحرير و المعيار و الكثيف الجافي يصلح للقت و الأنعام و ما بينهما يصلح لما بين ذلك فيوزن بكل ميزان ما يصلح له من كل شيء موزون كما يجعل في كل إناء ما يليق به من كل شيء مرذول أو مصون. كذلك الحكم و الحكمة في الملكوت الباطن كالحكمة و الحكم في الملكوت الظاهر بتعديل الظاهر الباطن. و في تفسير قوله عزّ و جلّ: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ في زُجاجَةٍ [النور: ٣٥]، فسره أبيّ بن كعب قال: مثل نور المؤمن و كذلك كان يقرأه قال: فقلب المؤمن هو المشكاة فيها مصباح. فكلامه نور و عمله نور و يتقلب في نور. ثم قال في قوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ [النور: ٤٠] قال قلب المنافق فكلامه ظلمة و عمله ظلمة و يتقلب في ظلمة و كان زيد بن أسلم يقول في قوله تعالى: في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢]. قال قلب المؤمن و قال أبو محمد سهل مثل القلب و الصدر مثل العرش و الكرسي. و روينا في حديث ابن عمر قال قيل يا رسول الله أين الله في الأرض؟ قال: في قلوب عباده المؤمنين. و في الخبر المأثور عن الله تعالى لم يسعني سمائي و لا أرضي و وسعني قلب عبدي المؤمن. و في بعضها اللين الوادع فاللين يعني السهل الرقيق القريب و الوداع يعني الساكن المطمئن. و في الخبر: ما ألبس العبد لبسة أحسن من خشوع في سكينة فهذه لبسة المتقين و صبغة الله تعالى للعارفين. و في الحديث قيل: يا رسول الله من خير الناس؟ قال: كل مؤمن محموم القلب. ثم فسره رسول الله صلّى الله عليه و سلم فقال: هو التقي الذي لا غش فيه و لا بغي و لا غلّ و لا حسد. و قال بعض العارفين في معنى قوله تعالى: إِلَّا من أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٩] أي مما سوى الله ليس فيه غير الله و في قول أهل التفسير: سليم من الشرك و النفاق. و قال رسول الله صلّى الله عليه و سلم: الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل و هذا لا يعدمه المؤمنون إلا الصديقين و قال: أكثر منافقي أمتي قراؤها. و هذا لا يعدمه العابدون إلا العارفين. و من خواطر اليقين ما يرد بشيء لا تظهر دلائله في الظاهر