قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩٠ - ذكر المقام الثالث من المراقبة
عن الرحمة الواحدة التي سبقت له بها النجاة ثم سقطت في طرقات الأعمال أماكن الثواب فيعطى ذلك هاهنا اليوم و هو العطاء الأول يحسن توفيقه و لطف عنايته و يعطى الجزاء هناك غدا بفضل رحمته و تمام نعمته ذلك تقدير العزيز العليم كما قال تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [الرحمن: ٦٠] قيل في الخبر: ما جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة. و قال بعض العلماء: و ليس لقول لا إله إلا الله جزاء إلا النظر لوجه الله تعالى و الجنة جزاء الأعمال ألم تر أنه لو حرم التوحيد اليوم لحرم الجنة و لو منع الإسلام اليوم لم يغفر الله له أبدا كما قال عزّ و جلّ: إِنَّهُ من يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ [المائدة: ٧٢] و قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله ثُمَّ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ [محمد: ٣٤] فهذا مما لا حيلة فيه و لا سبيل إليه. و قد قال: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر: ٥٦] قيل: هو أهل أن يعطى التقوى و من أعطاه التقوى فهو أهل أن يعطيه المغفرة كقوله تعالى: وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها [الفتح: ٢٦] و قال: وَ اتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: ١٠] و قال: إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ من الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦] و قال سبحانه تماما على الذي أحسن و قال تعالى: وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ٥٨.] إلى قوله ما على المحسنين من سبيل. و قال تعالى: وَ من يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً [الشورى: ٢٣]. فمن كانت أعماله الحسنات فهو من المحسنين و من كانت أعماله سيئة فهو من المسيئين فاشتقاق الحسنة من الحسن و جزاؤها الحسني و هي الجنة و اشتقاق السيئة من السوء و جزاؤها السوأى و هي النار و قد سبق خلقهما قبل خلق الخلائق و فرغ من نصيب العباد من الجنة و النار و سئل رسول الله صلّى الله عليه و سلم عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه. فهذا أول المراقبة لأنها عن غير المشاهدة ترى الرقيب ثم تراقب. و قد خص الله تعالى بالطيّبات من الأعمال الطيّبين من العمال و ابتلى بالخبيثات من الأعمال الخبيثين من العمال و فرغ من ذلك بعلمه و قدره بحكمه و أخفاه بلطفه فقال تعالى: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ [النور: ٢٦] قيل الخبيثات من الأفعال و الأقوال للخبيثين من الرجال. و قال: الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور: ٢٦] و قيل: الطيّبات من الأعمال و المقال للطيّبين من الرجال. ثم أخبر بحسن خاتمة أوليائه و سوء خاتمة أعدائه فقال تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢]. قيل: طابت حياتهم فطابت وفاتهم و طابت أعمالهم فطاب الموت لهم. و قال في وصف الظالمين: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النحل: ٢٨] قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في