قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٩ - ذكر المقام الثالث من المراقبة
فجعلت على نفسي أني لا أناظر أحدا منهم بعد ذلك في شيء من هذا الباب. و قد حدثونا عن بعض العابدين قال: صليت من السحر ركعتين ثم غفوت بعدهما فرأيت قصرا عاليا ذا شرف بيض كأنها الكواكب فاستحسنته فقلت لمن هذا القصر؟ قيل لي: هذا ثواب هاتين الركعتين ففرحت فجعلت أطوف حوله فرأيت شرافة من ركنه قد وقعت فشانه ذلك فاغتممت و قلت: لو كانت هذه الشرافة في أعلاه في هذا الموضع لتم حسن هذا القصر فإن ثلمها قد شانه فقال لي غلام هناك: قد كانت هذه الشرافة في مكانها من القصر إلا أنك التفتّ في صلاتك فسقطت. و حدثونا عن بعض الزهاد أنه كوشف مقامه من الجنة فرأى الحور العين و قلن نحن أزواجك. فلما خرجت تعلقت بي الحور و قلن: ننشدك الله إلا ما حسنت أعمالك فإنك كلما حسنتها ازددنا لك حسنا و ازددت بنا نعيما. و حدثونا عن رابعة العدوية رحمها الله تعالى قالت: سبحت ذات ليلة تسبيحات من السحر ثم نمت فرأيت شجرة خضرة نضرة لا توصف عظما و حسنا و إذا عليها ثلاثة أنواع من الثمر لا أعرفه من ثمار الدنيا كثدي الأبكار ثمرة بيضاء و ثمرة حمراء و ثمرة صفراء، فهن يلمعن كالأقمار و الشموس في خلال خضرة الشجر قالت: فاستحسنتها فقلت: لمن هذه؟ فقال لي قائل: هذه لك بتسبيحاتك آنفا. قالت: فجعلت أطوف حولها فإذا تحتها ثمرة منتشرة على الأرض في لون الذهب فقلت: لو كانت هذه الثمرة مع هذه الثمار على هذه الشجرة لكان أحسن فقال لي الشخ كانت هناك إلا أنك حين سبحت تفكرت هل اختمر العجين أم لا فانتثرت هذه الثمرة فهذه عبرة لأولي الأبصار و مواعظ لأهل التقوى و الأذكار. ذكر المقام الثالث من المراقبة. روي أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو لقيت الله تعالى بعمل سبعين نبيا لخشيت أنك لا تنجو من هول ذلك اليوم. و قال بعض السلف: لو أن العبد كان يجر على وجهه من أول الدنيا إلى قيام الساعة في طاعة الله و عبادته لاحتقره يوم القيامة لما يرى من الزلازل و الأهوال. و في الحديث: معالجة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف و إن ألم شعرة من الموت لو وضع على جميع الخلائق لماتوا و إن بين الخلائق و بين الموت و بين دخول الجنة مائة ألف هول كل هول منها يزيد على ألم الموت مائة ألف ضعف لا ينجو العبد من كل هول منها إلا برحمة فيحتاج العبد إلى مائة ألف رحمة تنجيه من تلك الأهوال يكون ذلك العدد من الرحمة مقسوما على مائة ألف حسنة أعطيها من حسناته في الدنيا التي أحسن بها إليه يكون مكانا لظهور الرحمة و طريقا لعطائها غدا حكمة من الحكيم و قسما مدبرا من الرحيم لأن الصالحات طرق الجزاء و الحسنات كلها