قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٨ - ذكر المقام الثاني من المراقبة
أنها عدل و حكمة من حاكم عادل حكيم فأمنوا من عقابه لأنهم آمنوا بالمتشابه و أعطاهم بفضله من فضله جزيل ثوابه فهلك الزائغون بالأقاويل تتبعا للشبهات و ابتغاء للتأويل فوقعوا في الضلال و هلكوا غدا في المآل. و قد روى الضحاك عن ابن عباس تصديق ما ذكرناه قبيل قوله عزّ و جلّ: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر: ٤٤] قال ابن عباس: طبق أسفل من طبق سبع دركات على قدر أعمالهم كذلك يقتسمون الدركات بقدر ما اجترموا كما اقتسم أهل الجنة الدرجات بالفضائل لكل باب منهم جزء مقسوم يعني نصيبا معلوما مفروضا لكل طبقة سكان. و قال بعض العلماء: تاللّه ما في الجنة قصر و لا نهر و لا نعيم إلا عليه اسم صاحبه مكتوب و اسم ذلك العمل الذي هو جزاؤه مكتوب و كذلك جهنم ما فيها غل و لا قيد و لا شعب و لا عذاب إلا و عليه وصف ذلك العمل الذي هو جزاؤه و اسم صاحبه مكتوب. و قال: قد أدخلهم الجنة قبل أن يطيعوه و أدخلهم النار قبل أن يعصوه. و قال بعض العارفين أيضا: الخالق أهون من أن يعصوه عزّ و جلّ بما لم يردوا للَّه أعز من أن يرضيه إلا من أحب لكنه غضب على قوم في العدم فلما أظهرهم استعملهم بأعمال أهل الغضب ليحلهم دار الغضب و رضي عن قوم في القدم فلما أظهرهم استعملهم بأعمال أهل الرضا ليحلّهم دار الرضا. و قال بعض أهل المعرفة: أظهر الخلق في العدم و أوجدهم سبعا إياهم اقتدارا ثم أظهر لهم أعمالهم و خيرهم الأعمال منه اختيارا فاختار كل عبد منهم عملا بعينه ثم طوى الأعمال فيهم و طواهم في الغيب فلما أظهرهم الآن في الوجود حجبهم بالعقول و أجرى كل عبد منهم اختياره لنفسه فبذلك وقعت الحجة عليهم إذا كشف لهم غدا ما حجبه عنهم اليوم و حدثت عن بعض هذه الطائفة قال: كان قد بقي في نفسي شيء من القدر و كنت أستكشفه من العلماء فلا ينكشف حتى قيض الله تعالى لي بعض الأبدال فاستكشفته إياه فقال: ويحك ما تصنع بالاحتجاج نحن يكشف لنا عن سر الملكوت فننظر إلى الطاعات تنزل صورا من السماء حتى تقع على جوارح قوم فتتحرك الجوارح بها و ننظر إلى المعاصي صورا مصورة تنزل من السماء فتقع على جوارح قوم فتتحرك بها. قال: فكشف عن قلبي القدر و أوقع لي العلم بمشاهدة القدرة و كنت أنا مرة خاطبت بعض إخواننا في شيء من الاستطاعة مع الفعل لا أنه قبله و لا بعده فتكلمت في ذلك بمذهب المثبتة من أهل الكلام قبل أن يكشف لي بمشاهدة علم اليقين فرأيت في النوم كأنّ قائلا يقول: القدر من القدرة، و القدرة صفة القادر، فيقع القدر على الحركة و لا يتبين فتظهر الأفعال من الجوارح. أو قال فتتحرك الجوارح بالأفعال و لا تتبين فكيف يتكلم في شيء لا يتبين