قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٦ - ذكر المقام الثاني من المراقبة
بعد المعرفة ثم هو بعد ذلك في المشيئة و إن في كل عبد خصلة كريهة يخاف عليه منها و كان عبد الواحد بن زيد يقول: ما صح خوف خائف قط ظن أنه لا يدخل النار و ما صدق خوف من ظن أنه يدخل النار فظن أنه يخرج منها أي أن حقيقة الخوف خشية دخول النار ثم الخلود فيها. و قد روينا مثل ذلك عن الحسن و قد ذكر له الرجل الذي يخرج من النار بعد ألف عام فبكى ثم قال: يا ليتني مثل ذلك الرجل. و روي عن رسول الله صلّى الله عليه و سلم: من قال إني في الجنة فهو في النار و من قال: إني عالم فهو جاهل. و روي عنه صلّى الله عليه و سلم: من أراد أن يعلم كيف منزلته من الله تعالى فلينظر كيف منزلة الله في قلبه. فإن الله ينزل العبد منه بحسب ما أنزله من نفسه. ذكر المقام الثاني من المراقبة. ثم يعلم العبد يقينا أن لكل عمل صالح نعيما في الجنة و روحا في البرزخ و لك عمل حسن و معرفة خالصة مقاما في الجنة. و قد قسم جزء هناك لعطاء معاملة هاهنا و أن لكل عمل سيء و جهل قبيح عذابا في الآخرة و كربا في البرزخ و مقاما من النار قد قسم جزء هناك لعمل هاهنا ثم قد أخفى الله ذلك الجزء من الخير و الشر و أظهر أعمالهما للحكمين و أبان لهما طريقين يجريان إلى دارين بن حكمة منه ثم قدم المعاملات من المعنيين و أخر المثوبات من النوعين إحكاما منه للأفعال و استسعاء للعبد بالأعمال ابتلاء منه لتجزي كل نفس بما تسعى منة منه و رحمة و قدرة منه و محبة لا يسئل عما يفعل لأنه ملك قهار عزيز جبار و هم يسئلون لأنهم عبيد مقهورون و ذلل مجبورون و لا تضرب لهم الأمثال لأنه قد جاوز الاحتجاج و الاعتدال و لا يسوى بالعبيد لأنه قد فات التقدير و التحديد فله الحجة و القدرة النافذة في كل شيء ليس كمثله شيء في جميع ذلك كله. و قد أحكم الله تعالى ما ذكرناه في توحيد نفسه بالمشيئة و الأفعال و نهيه عن الشرك به و ضرب الأمثال و عجب ممن يسوي بينه و بين خلقه في الأحكام و جعل ذلك جحود النعمة و شركا في ملكه و أخبر به عن المشركين و إضلالهم أتباعهم بعد ضلالهم المبين و إضلالهم بتسويتهم بينه و بين عباده في الأحكام في قوله تعالى: قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ. تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ. وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [الشعراء: ٩٦، ٩٧، ٩٨، ٩٩]. قيل: أنزلت في القدرية لأنهم أضافوا الحول و القوَّة في الشر إلى الخلق فسوّوا بينهم و بين الخالق. و قد قال الله تعالى: وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] فأضاف الأعمال إلى أنه خلقها كخلقه إياهم فهم المجرمون الذين أنزلت فيهم هذه الآية التي ذكر فيها القدرية فوصفوا بإنكارهم في قوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وَ سُعُرٍ. يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ