قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٥ - ذكر المقام الأول من المراقبة
من ظن أنه يدخل الجنة بغير عمل فهو متمن و من قال أدخلها بعمل فهو متعن. و قال بعضهم: الأماني تنقص العقل. و في الخبر: ليس الإيمان بالتحلّي و لا بالتمني و لكن ما وقر في القلب و صدقه العمل و من هذا قول الله عزّ و جلّ: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [الرحمن: ٦٠] و قال في ضده: من عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [غافر: ٤٠] و قال في معناه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [التوبة: ١٦] و كذلك قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا من قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١٤] و قال في مثله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الجاثية: ٢١] ثم قال: ساءَ ما يَحْكُمُونَ [العنكبوت: ٤] فأبطل حسبانهم و أدحض حكمهم ثم أحكم ما عنده بقوله: سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ [الجاثية: ٢١] أي هم كما كانوا في المحيا محسنين يعملون الصالحات كانت لهم الحسني في الممات و كما كانوا في المحيا مفسدين يعملون السيئات كانت لهم السوأى و المكروهات. و قيل: كانت هذه الآية مبكاة للعابدين لأنها محكمة غير متشابهة. و كذلك جميع ما ذكرناه من نظائرها هو من المحكم الذي هو أم الكتاب غير منسوخ و لا متشابه. و هذه الآي من عزائم القرآن و هو من أحسن ما أنزل علينا من ربنا الذي أمر الله سبحانه و تعالى باتباعه و وصف أهل الهدى و أولي الألباب باستماعه في قوله تعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: ١٨] قيل عزائمه و وعيده. و قد قيل في قوله تعالى: وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] قبل الرجاء الخائب بالاغترار و الظن الكاذب. و قيل: عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات فوجدوها عند المحاسبة سيئات. و الصحيح ما صح بعد الحساب و الحق ما ثقل عند الميزان كما قال تعالى: وَ الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف: ٨] قيل: العلم و العمل. كما قال تعالى: وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ [الأعراف: ٥٢] ثم قال: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ [الأعراف: ٧] ثم قال تعالى: وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا به يَسْتَهْزِؤُنَ [الزمر: ٤٨] قيل: كانوا يقدمون الذنب و يؤخرون التوبة و يسوفون بالمغفرة. و كانت هذه الآية محزنة للخائفين و مخافة للعارفين و قد أخبر الله سبحانه و تعالى أنه أعد النار للكافرين ثم أمير المؤمنين باتقائها ثم وصف الكافرين فيها و خوف عباده بها فقال تعالى: وَ اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [آل عمران: ١٣١] و قال سبحانه: لَهُمْ من فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ من النَّارِ وَ من تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ الله به عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ [الزمر: ١٦] و يقال: إن العبد يستحق النار بأول معصية عصى مولاه بها