قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٦٣ - الفصل الخامس و العشرون في ذكر تعريف النفس و تصريف مواجيد العارفين
كلام الملائكة فاستوحش بذلك فقال: يا رب مالي لا أسمع كلام الملائكة؟ فقال: خطيئتك يا آدم. فإذا لم يسمع العبد كلام الملائكة لم يفهم كلام الملك. و إذا لم يسمع الكلام لم يستجب للمتكلم إنما يستجيب الذين يسمعون. و قال الحسن: إن بين العبد و بين الله عزّ و جلّ حدا محدودا من الذنوب فإذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفقه للخير أبدا فبادر أيها المجاوز للحدود بالتوبة و الرجوع قبل أن تبلغ الحد فتلقى عيا و جهدا. و في حديث ابن عمر الطابع معلّق بقائم عرش الرحمن فإذا انتهكت المحارم بعث الله عزّ و جلّ بالطابع على القلوب فأعماها و هذا هو القفل الذي قال الله عزّ و جلّ: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها و اعلم أن القسوة التي يهدد الله عزّ و جلّ عليها بالويل المتولدة من طول الغفلة في قوله عزّ و جلّ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ من ذِكْرِ الله [الزمر: ٢٢] و قد قرنها الله عزّ و جل بالنفاق و أخبر أنه يجعل إلقاء الشيطان فتنة لأهل النفاق و القسوة. فإلقاء الشيطان يكثر عند قلة إلهام الملك كما ذكرنا آنفا ينتظم ذلك قوله عزّ و جلّ: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ [الحج: ٥٣] أي و للقاسية قلوبهم أيضا. و القسوة ثمرة البعد و البعد عقوبة الخيانة و الله لا يحب الخائنين، فذلك من تدبر الخطاب من قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [المائدة: ١٣] أي فبنقضهم الميثاق و ما صلة في الكلام فهذا هو الخيانة، لَعَنَّاهُمْ أي أبعدناهم وَ جَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً بترادف الذنوب بعد القسوة من الكذب و النسيان و كثرة الاطلاع على الخيانة منهم و البهتان فأصيبوا بالذنوب فوقع الطابع على القلوب فصمت عن سمع كلام المحبوب. كما قال: أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ [الأعراف: ١٠٠]. فجلاء هذا الطابع التقوى فهو مفتاح السمع كما قال: اتقوا الله و اسمعوا و الله تعالى الموفق.