قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٥١ - الفصل الثالث و العشرون فيه كتاب محاسبة النفس و مراعاة الوقت
حنفاء و يقول له: ويلك أما سمعتني أقول إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق و اعبدوه فهذه أمثال القرآن يشهد منها العلماء أمثالهم و هي إذا كان الخطاب عند تدبره يفهم بها العارفون أذكارهم فيكون توبيخ الله عزّ و جلّ للغافلين بعزائم كلامه و غليظ خطابه أشد عليهم و أوجع لهم من أليم عقابه، و ذلك أن الله تعالى استخلص الدين لنفسه و لم يشرك فيه أحدا من خلقه فقال: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ [الزمر: ٣] يعني الطريق الموحد غير المشترك الصافي غير الكدر لأن الإخلاص التصفية من أكدار الهوى و الشهوة و ضده الشرك و هو الخلط بغيره من النفس و الناس كما أنعم علينا بالرزق الخالص من بين الفرث و الدم فتمت به النعمة فقال: نُسْقِيكُمْ مِمَّا في بُطُونِهِ من بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً [النحل: ٦٦] فلو وجد فيه خلط من أحدهما لم تتم به النعمة علينا. فكذلك ينبغي أن يكون عملنا له خالصا من الهوى و الشهوة لنستحق به الأجر و الحظوة منه مع القيام بواجب الحق علينا فكما أنّا لو رأينا في اللبن الذي أنعم به علينا فرثا أو دما عافته أنفسنا فلم نأكله فكذلك الحكيم الخبير إذا رأى في عملنا خلطا من رياء أو شهوة رده علينا فلم يقبله و كما عمل لنا مما عملت يده بقدرته أنعاما ذللها لنا منها ركوبنا و مأكلنا فينبغي أن نشكره فنعمل له بعد الأكل عملا صالحا كما أمرنا بعد إذ أنعم الله علينا. فقال: كُلُوا من الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً [المؤمنون: ٥١] فمن جهل ما جعل الله لنفسه و ترك ما أمر به من الإخلاص بالدين لوجهه استوجب المقت لجهله و استحق العقاب لمخالفته و في تدبر ما قلناه الهرب من الخلق و البكاء على النفس إلى لقاء الحق لمن أشهد و وقف و أريد بالحضور فلم يصرف.