قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٣٩ - الفصل الثاني و العشرون فيه كتاب الصيام و ترتيبه و وصف الصائمين و ذكر ما يستحب للعبد من الصيام و طرقات الصائمين في الصوم و وصف صوم الخصوص
يضاهي به شهر رمضان و كانوا يستحبون أن يفطروا منه أياما و قد كره قوم صيام الدهر كله وردت أخبار في كراهته و قد تأوّل ذلك بأنهم كانوا يصومون السنة كلها مع يوم العيد و أيام التشريق فوردت الكراهة لذلك، و إن كان يريد صلاح قلبه و انكسار نفسه و استقامة حاله في صوم الدهر فليصمه، فهو حينئذ كالواجب عليه إذا كان تقواه و صلاحه فيه. فقد روينا عن سعيد عن قتادة عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: من صام الدهر ضيقت عليه جهنم و عقد تسعين معناه لم يكن له فيها موضع و قد دلت الأصول على فضل صوم الدهر و قد صامه طبقات من السلف الصالح من الصحابة و التابعين بإحسان إلا أن يكون الرجل يرغب عن السنة و لا يرى الرخصة في الإفطار فيكره له صوم الدهر للمعاندة لأن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم أمر بالسعة في الدين و أخبر الله عزّ و جلّ بأنه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. و في لفظ آخر: يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتي معصيته. و قد دلّت الأخبار على فضل صوم نصف الدهر بأن يصوم يوما و يفطر يوما و ذلك ليكون العبد بين حالين حال صبر و حال شكر. و من ذلك ما روي عن النبي صلّى الله عليه و سلّم عرضت عليّ مفاتيح خزائن الدنيا و كنوز الأرض فرددتها فقلت: أجوع يوما و أشبع يوما أحمدك إذا شبعت و أتضرع إليك إذا جعت. و من ذلك قوله صلّى الله عليه و سلّم: أفضل الصيام صيام أخي داود عليه السلام، كان يصوم يوما و يفطر يوما و من ذلك منازلته عليه السلام لعبد الله بن عمرو في الصوم و هو يقول: إني أريد أفضل من ذلك حتى قال له النبي صلّى الله عليه و سلّم: صم يوما و أفطر يوما قال: أريد أفضل من ذلك قال: لا أفضل من ذلك. و روي في الخبر: صوم يوم من شهر حرام أفضل من صوم ثلاثين يوما من غيره و صوم يوم من رمضان أفضل من صوم ثلاثين يوما من شهر حرام. و في حديث: من صام ثلاثة أيام من شهر حرام الخميس و الجمعة و السبت كتب الله تعالى له عبادة سبعمائة عام. و قد روينا أن النبي صلّى الله عليه و سلّم ما صام شهرا كاملا قط إلا رمضان بل كان يفطر منه و قد وصل مرة شعبان برمضان و فصل صوم رمضان مرارا من شعبان. و ما ذكرنا من أنواع الصوم فهو صيام جماعة من السلف الصالح و في كل منه ورد فيه فضائل يكثر ذكرها و كذلك في جميع ما نذكره من أعمال القلوب و الجوارح في الأيام و الليالي و كذلك فيما نذكره من أخلاق الإيمان و أوصاف الموقنين، و قد جاءت في أكثر ذلك فضائل و مثوبات إلا أنا لم نقصد تعديد ذلك و ليس مذهبنا الاشتغال بذكر فضائل الأعمال إنما طريقنا تهذيب قلوب العمال. فبطهارة القلوب و حقيقة الإيمان تزكو الأعمال و تقرب العاملون من ذي الجلال و لا حول و لا قوة إلا باللّه العليّ العظيم.