قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٣٨ - الفصل الثاني و العشرون فيه كتاب الصيام و ترتيبه و وصف الصائمين و ذكر ما يستحب للعبد من الصيام و طرقات الصائمين في الصوم و وصف صوم الخصوص
قصاص و يذهب برد المظالم إلا الصوم فإنه لا يدخله قصاص. و يقول الله عزّ و جلّ يوم القيامة: هذا لي فلا يقتص منه أحد شيئا. يقال: ما من عمل إلا و له جزاء معلوم إلا الصوم فإنه لا تعلم نفس ما جزاؤه و يكون أجره بغير حساب يفرغ له إفراغا و يجازف مجازفة و هو أحد الوجوه في قوله عزّ و جلّ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]. قيل: كان عملهم الصيام. و كذلك في تأويل قوله عزّ و جلّ: السائحون قيل هم الصائمون كأنهم ساحوا إلى ربهم عزّ و جلّ بجوعهم و عطشهم و تركوا قرّة أعين أبناء الدنيا من أكلهم و شربهم فآواهم مولاهم فيما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء لعملهم. و قال تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: ١٠]. قيل: الصائمون و الصبر اسم من أسماء الصوم فلما أخفي ذكره بالصوم في نفسه أخفى الله عزّ و جلّ جزاءه إياه عن غير نفسه. و في الحديث: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. فالصوم ذكر الله عزّ و جلّ و هو سرّ و ليس أستحب للعبد أن يزيد على إفطار أربعة أيام نسقا فإن ذلك يقسي القلب و يغيّر الحال و يولّد العادات و يفتق الشهوات و لأنه لم يؤمر و لم يندب إلى أن يوالي بين إفطار أكثر من أربعة أيام متوالية و هي النحر و أيام التشريق. و يستحب له أن يصوم يوما و يفطر يوما أو يصوم يومين و يفطر يومين و ذلك صوم نصف الدهر و إن أحب فليصم يومين و يفطر يوما و ذلك صوم ثلثي الدهر فإن أحب فليصم يوما و يفطر يومين و هذا صيام ثلث الدهر. هذه طريق الصائمين و فيها روايات حذفنا ذكر فضائلها للاختصار. فإن صام ثلاثا من أول الشهر و ثلاثا من وسطه و ثلاثا من آخره فحسن، فإن صام الأثانين و الأخمسة و الجمع فذلك خير كبير و أقل من ذلك أن يصوم الأيام البيض و أول يوم من الشهر و آخر يوم منه. و أفضل الصيام ما كان في الأشهر الحرم و أفضل ذلك ما وقع في العشرين منها و هو المحرم و ذو الحجة و بعد ذلك ما كان في شعبان فإن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم كان يكثر الصيام فيه حتى يصله بشهر رمضان و لا يدع أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام و ليواظب على صوم الاثنين و الخميس، و في الخبر: أفضل الصيام بعد شهر رمضان و شهر الله المحرم و صوم النصف الأول من شهر شعبان مستحب، و قد كانوا يفطرون النصف الأخير منه. و قد روينا خبر: إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى يدخل رمضان و ليفطر قبل رمضان أياما فإن وصل شعبان برمضان فجائز. و لا يجوز أن يستقبل رمضان بيومين أو ثلاثة إلا أن يوافق ذلك يوم اثنين أو خميس قد كان يصومه. و قد كان بعض الصحابة يكره أن يصام رجب كله لئلا