قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٣٢ - الفصل الحادي و العشرون فيه كتاب الجمعة و ذكر هيئاتها و آدابها و ذكر ما يستحب للمريد في يوم الجمعة و ليلتها
قال الحسن: الدنيا ظلمة إلا مجالس العلماء، فإن لم يتفق له ذلك أحيا ما بين الصلاتين و هو الورد الخامس من النهار، و يستحب صلاة العصر في الجامع إلّا لسبب لا بدّ منه مانع، و إن قعد إلى غروب الشمس فهو أثوب للساعة المنتظرة من آخر النهار إذا أمن الفتنة و التصنع و الكلام فيما لا يعنيه، و يقال: من صلّى العصر في الجامع كان له ثواب حجة و من صلّى المغرب كان له ثواب عمرة فإن خشي دخول الآفة عليه أو لم يأمن التصنّع و الخوض فيما لا يعنيه انصرف إلى منزله ذاكرا للَّه عزّ و جلّ مفكرا في آلائه و حسن نعمائه فراعى غروب الشمس بالأذكار و التسبيح و الاستغفار في منزله أو مسجد حيه فذلك حينئذ أفضل له. و قال بعض السلف: أوفر الناس نصيبا يوم الجمعة من راعاها و انتظرها من الأمس و أخس الناس منها نصيبا من يصبح يوم الجمعة فيقول: أيش اليوم و قد كان بعضهم يبيت ليلة الجمعة في الجامع لأجل صلاة الجمعة و منهم من كان يبيت ليلة السبت في الجامع لمزيد الجمعة و كثير من السلف من كان يصلّي الغداة يوم الجمعة في الجامع و يقعد ينتظر صلاة الجمعة لأجل البكور ليستوعب فضل الساعة الأولى و لأجل ختم القرآن و عامة المؤمنين كانوا ينحرفون من صلاة الغداة في مساجدهم فيتوجهون إلى جوامعهم و يقال: أوّل بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجوامع. قال: و كنت ترى يوم الجمعة سحرا و بعد صلاة الفجر الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السرج يزدحمون فيها إلى الجامع كما ترون اليوم في الأعياد حتى درس ذلك و قل و جهل و ترك أ وَ لا يستحي المؤمن أن أهل الذمة يبكرون إلى كنائسهم و بيعهم قبل خروجه إلى جامعه أ وَ لا يعتبر بأهل الأطعمة المباعة في رحاب الجامع أنهم يغدون إلى الدنيا و الناس قبل غدوّه هو إلى الله تعالى و إلى الآخرة فينبغي أن يسابقهم إلى مولاه و يسارعهم إلى ما عنده من زلفاه. و يجب أن يكون للمؤمن يوم الجمعة مزيد في الأوراد و الأعمال و ليتفرغ فيه لربه عزّ و جلّ و يجعله يوم آخر إن لم يكن له يوم السبت فيوم الجمعة في الأوراد المتصلة و المزيد من الأذكار على المعلوم منها فلا يكون الجمعة كالسبت في تجارة الدنيا و الشغل بأسبابها و أكره له التأهب ليوم الجمعة في باب الدنيا من يوم الخميس من إعداد المأكول و الترفّه من النعمة و الأكل و الشرب. فقد روينا حديثا من طريق أهل البيت فيه نظر أن النبي صلّى الله عليه و سلّم قال: يأتي على أمتي زمان يتأهبون لجمعتهم في أمر دنياهم عشية الخميس كما يتأهب اليهود لسبتها عشية الجمعة و إنما كان المؤمنون يتأهبون فيه للآخرة بالأوراد الحسنة يزدادون من الأوراد المتصلة. و قد كان أبو محمد سهل رحمه الله يقول: من أخذ مهنأه من الدنيا في هذه الأيام لم ينل مهنأه في الآخرة منها يوم الجمعة