قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٣١ - الفصل الحادي و العشرون فيه كتاب الجمعة و ذكر هيئاتها و آدابها و ذكر ما يستحب للمريد في يوم الجمعة و ليلتها
بعدها أربعا. و روى علي و عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه و سلّم كان يصلّي بعدها ستا فإذا صلّى العبد ست ركعات فقد استوعب جميع الروايات و أكره شراء الماء في المسجد للشرب أو لتسبيله لئلا يكون مبتاعا في المسجد فقد كره الشراء و البيع في المسجد فإن بايعه أو دفع إليه القطعة خارجا من المسجد و شرب أو سبل في المسجد فلا بأس و قد جاء عن بعض السلف أنه كره الصلاة في رحاب الجامع عن بعض الصحابة أنه كان يضرب الناس و يقيمهم من الرحاب و يقول: لا تجوز الصلاة في الرحاب فهذا عندي على ضربين و هو أن الصلاة في رحاب الجامع الزوائد فيه المتصلة بالصفوف المحيط بها حائط الجامع الأعظم كالصلاة في وسطه غير مكروهة، و الصلاة في رحابه المتفرقة في أفنيته التي هي من وراء جدر الجامع كله مكروهة، و كذلك الصلاة في الطرقات المنفردة عن الجامع غير المتصلة بالصفوف لحجز طريق أو بعد مكان فلا يجوز. و هذا الذي كرهه من كان ينهي عن الصلاة فيه. فإذا صلّى الجمعة انتشر في أرض الله عزّ و جلّ يطلب من فضل الله عزّ و جل و من الفضل طلب العلم و استماعه، و يقال: هو مزيد يوم الجمعة للعالم و المتعلم. قال الله عزّ و جلّ: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: ١١٣] قال الله تعالى وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا [سبأ: ١٠]، يعني بدليل نظيرها من الآية الأخرى في قوله تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا [النمل: ١٥]. و روينا عن أنس بن مالك في قوله عزّ و جلّ: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا من فَضْلِ الله [الجمعة: ١٠]. قال أما أنه ليس بطلب دنيا و لكنه عيادة مريض و شهود جنازة و تعلّم علم و زيارة أخ في الله عزّ و جلّ فإن الذكر بالعلم و تعليم الناس إياه و التذكير باللّه عزّ و جلّ و الدعوة إليه في يوم الجمعة له فضل على سائر الأيام لأنه يوم المزيد، فللقلوب فيه إقبال و تحديد، و كذلك السعي إليه و الاستماع له و حضور مجالس الذكر يوم الجمعة لا مجالس القصاص أفضل من سائر الأيام، و المستمع شريك القائل في الأجر و قد قيل إنه أقرب للرحمة و قد كره العلماء الجلوس إلى القصاص سيما يوم الجمعة خاصة لأنهم يثبطون عن الغدوّ إلى الجامع في الساعة الأولى و الثانية لأن الكتاب ورد بالفضل فيهما. فمن اتفق له عالم باللّه عزّ و جلّ يذكره به و يدله عليه من علماء الآخرة الزاهدين في الدنيا يوم الجمعة غدوة في الجامع أو بعد صلاة الجمعة جلس إليه و استمع منه و إن حضر مفت يتكلّم بعلم الدين و كان العبد محتاجا إلى ذلك و جالسة فهو الأفضل فإن مجالس العلماء في الجامع من زين يوم الجمعة و من تمام فضله.