قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٢٩ - الفصل الحادي و العشرون فيه كتاب الجمعة و ذكر هيئاتها و آدابها و ذكر ما يستحب للمريد في يوم الجمعة و ليلتها
السورة فأومأ إليه أن اسكت. فلما نزل النبي صلّى الله عليه و سلّم فقال له أبي: اذهب فلا جمعة لك. فشكاه أبو ذر إلى النبي صلّى الله عليه و سلّم فقال: صدق أبي. و كذلك جاء في الخبر: من قال لصاحبه و الإمام يخطب أنصت أو مه فقد لغا و من لغا و الإمام يخطب فلا جمعة له و ليقطع الصلاة إذا قام المؤذنون للأذان بين يدي الإمام. فقد روى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضوان الله عليهم: تكره الصلاة في أربع ساعات، بعد الفجر، و بعد العصر، و نصف النهار، و الصلاة و الإمام يخطب. و قد جاء في الأثر خروج الإمام يقطع الصلاة و كلامه يقطع الكلام و سجود العامة عند قيام المؤذنين للأذان قبل الخطبة ليس بسنة فإن وافق ذلك سجوده في صلاته أو سجود قرآن فلا بأس أن يمتد في الدعاء إلى فراغهم لأنه وقت مفضل و لا أعرف في ذلك أثرا غير أنه مباح. و من العلماء من كره الصلاة في المقصورة لأجل أنها قصرت على السلطان و أوليائه و ذلك بدعة عند أهل الورع ابتدعت في المساجد لأنها غير مطلقة لجملة الناس، فلذلك نقل في الخبر: كان الحسن و بكر المزني لا يصليان في المقصورة. و روي: رأيت أنس بن مالك يصلي في المقصورة و عمران بن حصين أيضا و منهم من لم يكره ذلك و رأيت فيه فضلا لأجل السنة في الدنو من الإمام و استماع الذكر فإن أطلقت للعامة زالت الكراهة عنها و إن خصّ بها أولياء السلطان تركت عليهم فإن صلّى سبعا يصلّي فيها فإن بعض العلماء كره الصلاة في فناء المنبر من قبل أن المنبر يقطع الصفوف و كان عندهم أن تقدمة الصفوف إلى فناء المنبر بدعة و كان الثوري يقول: الصف الأول: هو الخارج من بين يدي المنبر و من خشي الفتنة و الآفة في قربه من الإمام بأن يسمع ما يجب عليه إنكاره أو يرى ما يلزم الأمر فيه أو النهي عنه من لبس حرير أو لبس ديباج أو الصلاة في السلاح الثقيل للشغل كان بعده من الصفوف المقدمة أصلح لقلبه و أجمع لهمه لقلة ملاقاة الناس و لترك النظر إليهم. فالأصلح للقلب و الأجمع للهم هو الأفضل حينئذ و قد كان جماعة من العلماء و العباد يصلون في أواخر الصفوف إيثارا للسلامة و قيل لبشر بن الحرث: نراك تبكر يوم الجمعة و تصلي في أواخر الصفوف فقال: يا هذا إنما نريد قرب القلوب لا قرب الأجساد. و نظر سفيان الثوري إلى شعيب بن حرب عند المنبر يستمع إلى خطبة أبي جعفر فلما جاءه بعد الصلاة قال: شغل قلبي قربك من هذا هل أمنت أن تسمع كلاما يجب عليك إنكاره فلا تقوم به ثم ذكر ما أحدثوا من لبس السواد قلت: يا أبا عبد الله أ ليس في الخبر إذن و استمع فقال ويحك ذاك للخلفاء الراشدين