قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٦ - الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل و الموصل من الكلام و فيه مدح العالمين و ذم الغافلين عنه و تفسير الغريب و المشكل من القرآن
فالمقصر من الكلام عندهم مع الحاجة إلى المعاني المتفرقة عجز و المطول منه مع الاكتفاء بالمعنى الجامع منه عيّ. فلما خاطبهم بكلامهم أفهمهم بعقولهم و مستعملاتهم ليحسن ذلك عندهم فيكون حجة عليهم من حيث يعقلون لأنه أمرهم بما يعلمون و ما يستحسنون حكمة منه و لطفا. فذلك أيضا على هذه المعاني يفهم الخصوص من مكانهم و مشهدهم على علوّ مقامهم في مكان ما أظهر لهم من العلم به و نصيب ما قسم لهم من العقل عنه. فهم متفاوتون في الأشهاد و الفهوم حسب تفاوتهم في الأنصبة من العقول و العلوم إذ القرآن عموم و خصوص و محكم و متشابه و ظاهر و باطن، فعمومه لعموم الخلق، و خصوصه لخصوصهم و ظاهره لأهل الظاهر و باطنه لأهل الباطن و الله واسع عليم. فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فإذا صفا القلب بنور اليقين و أيد العقل بالتوفيق و التمكين و تجرد الهم من التعلق بالخلق و تأله السر بالعكوف على الخالق و خلت النفس من الهوى سرت الروح فجالت في الملكوت الأعلى كشف القلب بنور اليقين الثاقب ملكوت العرش عن معاني صفات موصوف و أحكام خلاق مألوف و باطن أسماء معروف و غرائب علم رحيم رءوف فشهد عن الكشف أوصاف ما عرف فقام حينئذ بشهادة ما عرف فكان ممن قال سبحانه: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ به [البقرة: ١٢١]. فحق التلاوة للمؤمنين لأنه إذا أعطاه حقيقة من الإيمان أعطاه مثلها من معناه و معدنها حقيقة من مشاهدة. فكانت تلاوته عن مشاهدة و كان مزيده عن معنى تلاوته و كان ذلك على معيار حقيقة من إيمانه كما قال: وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [الأنفال: ٢]. أولئك هم المؤمنون حقا فيكون العبد بوصف من نعت بالحضور و الإنذار و خص بالمزيد و الاستبشار في قوله عزّ و جلّ: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف: ٢٩] و في قوله عزّ و جلّ: فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤] و يكون من نعت من مدحه بالعلم و أثنى عليه بالرجاء وصفه بالخوف في قوله تعالى: يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]. و قال عزّ و جلّ: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً [السجدة: ١٦] فكان هذا من أهل الله و خاصته و من محبيه و خالصته. كما روينا عن رسول الله صلّى الله عليه و سلّم أهل القرآن أهل الله و خاصته من خلقه و قال ابن مسعود لا على أحدكم أن يسأل عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله و إن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله و هذا كما قال لأنك إذا أحببت متكلما أحببت كلامه و إذا كرهته كرهت مقاله. و قال أبو محمد سهل: من علامة الإيمان حب الله عزّ