قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٥ - الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل و الموصل من الكلام و فيه مدح العالمين و ذم الغافلين عنه و تفسير الغريب و المشكل من القرآن
قَليلاً [النساء: ٨٣] و آخر الكلام: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ [النساء: ٨٣]. و قد قيل إن قوله إلا قليلا مستثنى من الأول في قوله: وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ من الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا به [النساء: ٨٣] إلّا قليلا منهم و في هذا بعد و الأول أحب إليّ. و على هذا المعنى قرأ ابن عباس في رواية عنه لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم جعله متصلا بقوله تعالى: ما يَفْعَلُ الله بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ [النساء: ١٤٧] إلا من ظلم و صار آخر الكلام لا يحب الله الجهر بالسوء من القول فاصلا و مثل هذا قوله تعالى: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ [الأنفال: ٧٣] إنما هو من صلة قوله: وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [الأنفال: ٧٢] إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض. و كذلك قوله في أوّل السورة: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٧٤] كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ليس هذا من صلة الكلام إنما هو مقدم و متصل في المعنى بقوله: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ [الأنفال: ١] و كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ من بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال: ٥]. أي فصارت أنفال الغنائم لك إذ أنت راض بإخراجك و هم كارهون فاعترض بينهما الأمر بالتقوى و الإصلاح و الوصف بحقيقة الإيمان و الصلاح فأشكل فهمه. و على هذا قوله عزّ و جلّ: حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة: ٤] إنما هو موصول بقوله تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ ... إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة: ٤] لأنها نزلت في قولهم فقد استغفر إبراهيم لأبيه و هو مشرك عند قوله: لأستغفر لك ربّي فقالوا: فهلّا نستغفر لآبائنا المشركين. فنزلت هذه الآية ليستثني القدوة في إبراهيم في هذا ثم نزلت الآية الأخرى معذرة له أوعده إياه إلى أن علم موته على الكفر فقال و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه الآية. و كذلك قوله عزّ و جلّ: وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ [المائدة: ٣]. و هذا متصل بقوله: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [النحل: ١١٥] إلى آخر المحرمات. ثم قال: فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ [المائدة: ٣] يعني مجاعة و مثل ما ذكرناه من علم القرآن كثير و إنما نبهنا بيسير على كثير و دللنا بنكت على جم غفير ليستدل بما ذكرناه على نحوه و يتطرق به إلى مثله و هذا كله على ضروب كلام العرب و معاني استعمالهم و وجوه استحسانهم أنه في كلامهم المطوّل للبيان و المختصر للحفظ و المقدم و المؤخر للتحسين و كله فصيح بليغ، لأن وصف البلاغة عندهم رد الكثير المنثور إلى القليل المجمل و بسط القليل المجمل إلى المبثوث المفسر