قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٢ - الفصل السابع عشر فيه كتاب ذكر نوع من المفصل و الموصل من الكلام و فيه مدح العالمين و ذم الغافلين عنه و تفسير الغريب و المشكل من القرآن
إبليس أيضا فيكون المعنى هم به قد أشركوا في التوحيد أي أشركوه بعبادة الله عزّ و جلّ و مثل هذا قوله عزّ و جلّ: فَأَثَرْنَ به نَقْعاً. فَوَسَطْنَ به جَمْعاً [العاديات: ٤- ٥]. الهاء الأولى كناية عن الحوافر و هنّ الموريات قدحا يعني الخيل تقدح بحوافرها فتوري النار فأثرن به أي بالحوافر النقع يعني التراب و الهاء الثانية كناية عن الإغارة فوسطن أي توسطن به بالإغارة و هنّ المغيرات صبحا وسطن جمع المشركين أغاروا عليهم بجمعهم و المشركون غارون و بهذا المعنى قوله عزّ و جلّ: فَأَنْزَلْنا به الْماءَ فَأَخْرَجْنا به من كُلِّ الثَّمَراتِ [الأعراف: ٥٧] الهاء الأولى عائدة على السحاب أي أنزلنا بالسحابة الماء و في قوله به مبدل و مكنى. فالمكنى هو ما ذكرناه من أسماء السحاب و المبدل أن به بمعنى منه و مثل هذا قوله: يَشْرَبُ بِها عِبادُ الله [الإنسان: ٦] أي منها و هو صريح قوله في المفسر: وَ أَنْزَلْنا من الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً [النبأ: ١٤] يعني السحاب و هو قوله: سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [الأعراف: ٥٧] و قوله في الهاء الثانية أخرجنا به من كل الثمرات يعني بالماء فجمع بين اسم السحاب و الماء بالهاء فأشكل و من البيان الثاني و الثالث للخطاب المجمل قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥] فلم يفهم إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان و لم يدر أنهارا أنزل فيه أو ليلا. فقال في البيان الثاني: إِنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدخان: ٣]. فلم يفهم منه إلا أنه أنزل منه ليلا في ليلة مباركة و لم يدر أي ليلة هي فقال في البيان الثالث: إِنَّا أَنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] فهذا غاية البيان و بمعناه قوله تعالى: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ [يوسف: ٢٢]. فهذا البيان الأوّل زيادة على الأشد و هو الوصف إلّا أنه غير مفسر ثم قال في البيان الثاني: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف: ١٥]. ففسّر الأشد بالأربعين إذا كانت الواو للمدح و الوصف في أحد الوجهين و معناه الجمع قوله تعالى: وَ الْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ١- ٢] معناه أن الناس لفي خسر أي لفي خسران لقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [مريم: ٩٦] و لا يستثنى جماعة من واحد و إنما يستثنى جماعة من جماعة أكثر منهم و إنما وحد الاسم للجنس و كذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً [الانشقاق: ٦] معناه يا أيها الناس إنكم كادحون دل عليه قوله عزّ و جلّ: فَأَمَّا من أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [الانشقاق: ٧] وَ أَمَّا من أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] و إنما وحد النعت لتوحيد الاسم و كذلك قوله عزّ و جلّ: وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢] معناه حملها الناس