نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٦٥ - ٢٧ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وافرين [١] ما نال رجلا منهم كلم، و لا أريق لهم دم، فلو أنّ امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما، بل كان به عندى جديرا، فيا عجبا - و اللّه - يميت القلب و يجلب الهمّ اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم و تفرّقكم عن حقّكم فقبحا لكم و ترحا [٢] حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون، فاذا أمرتكم بالسّير إليهم فى أيّام الصّيف قلتم هذه حمارّة القيظ [٣] أمهلنا يسبّخ عنّا الحرّ [٤] و إذا أمرتكم بالسّير إليهم فى الشّتاء قلتم: هذه صبارّة القرّ [٥] أمهلنا ينسلخ عنّا البرد، كلّ هذا فرارا من الحرّ و القرّ، فأنتم و اللّه من السّيف أفرّ، يا أشباه الرّجال و لا رجال! حلوم الأطفال، و عقول ربّات الحجال [٦] لوددت أنّى لم أركم و لم أعرفكم!
[١] وافرين: تامين على كثرتهم لم ينقص عددهم، و الكلم - بالفتح - الجرح
[٢] ترحا - بالتحريك - أى: هما و حزنا أو فقرا، و الغرض: ما ينصب ليرمى بالسهام و نحوها. فقد صاروا بمنزلة الهدف يرميهم الرامون و هم نصب لا يدفعون و قوله «و يعصى اللّه»: يشير إلى ما كان يفعله قواد جيش معاوية من السلب و النهب و القتل فى المسلمين و المعاهدين. ثم أهل العراق راضون بذلك إذ لو غضبوا لهموا بالمدافعة
[٣] حمارة القيظ - بتشديد الراء، و ربما خففت فى ضرورة الشعر - شدة الحر
[٤] التسبيخ - بالخاء المعجمة - التخفيف و التسكين
[٥] صبارة الشتاء بتشديد الراء: شدة برده، و القر - بالضم - البرد، و قيل: هو برد الشتاء خاصة، أما البرد فعام فيه و فى الصيف، و تقول: قر يومنا - من باب ضرب - أى: برد، و تقول قر فلان - مبنى لما لم يسم فاعله - قرا - بفتح القاف و كسرها - إذا أصابه القر و هو البرد
[٦] حجال: جمع حجلة و هى القبة، و موضع يزين بالستور، و الثياب
(٥ - ن - ح - ١)