نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢١٩ - ١٠٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
تعلمون - بأنّكم تاركوها، و ظاعنون عنها، و اتّعظوا فيها بالّذين قالوا: (من أشدّ منّا قوّة) حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا [١] و أنزلوا الأجداث [٢] فلا يدعون ضيفانا، و جعل لهم من الصّفيح أجنان [٣] و من التّراب أكفان [٤] و من الرّفات جيران [٥] فهم جيرة لا يجيبون داعيا، و لا يمنعون ضيما، و لا يبالون مندبة: إن جيدوا لم يفرحوا [٦] و إن قحطوا لم يقنطوا: جميع و هم آحاد، و جيرة و هم أبعاد، متدانون لا يتزاورون [٧] و قريبون لا يتقاربون حلماء قد ذهبت أضغانهم، و جهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم [٨] و لا يرجى دفعهم، استبدلوا بظهر الأرض بطنا، و بالسّعة ضيقا، و بالأهل غربة، و بالنّور ظلمة، فجاءوها كما فارقوها [٩] حفاة عراة، قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة، و الدّار الباقية، كما قال سبحانه: (كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنٰا إِنّٰا كُنّٰا فٰاعِلِينَ)
[١] لا يقال لهم ركبان، جمع راكب، لأن الراكب من يكون مختارا و له التصرف فى مركوبه
[٢] القبور
[٣] الصفيح: وجه كل شىء عريض، و المراد وجه الأرض، و الأجنان: جمع جنن - محركة -: و هو القبر
[٤] لأن أكفانهم تبلى، و لا يغشى أبدانهم سوى التراب
[٥] الرفات: العظام المندقة المحطومة
[٦] جيدوا: مطروا
[٧] متقاربون لا يزور بعضهم بعضا.
[٨] لا تخاف منهم أن يفجعوك بضرر
[٩] جاءوا إلى الأرض، و اتصلوا بها، بعد ما فارقوها، و انفصلوا عنها، فى بدء خليقتهم، فانهم خلقوا منها كما قال تعالى: (مِنْهٰا خَلَقْنٰاكُمْ وَ فِيهٰا نُعِيدُكُمْ) و قوله: «قد ظعنوا عنها» يشير إلى أنهم بعد الموت يذهبون بأرواحهم: إما إلى الجنة، و إما إلى النار، كما يرشد إليه الاستشهاد بالآية