نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢١٨ - ١٠٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
أعمارا، و أبقى آثارا، و أبعد آمالا، و أعدّ عديدا، و أكثف جنودا: تعبّدوا للدّنيا أىّ تعبّد، و آثروها أىّ إيثار، ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلّغ، و لا ظهر قاطع [١]؟؟!! فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية [٢] أو أعانتهم بمعونة، أو أحسنت لهم صحبة؟ بل أرهقتهم بالفوادح [٣] و أوهنتهم بالقوارع، و ضعضعتهم بالنّوائب [٤] و عفّرتهم للمناخر [٥] و وطئتهم بالمناسم [٦] و أعانت عليهم ريب المنون، فقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها [٧] و آثرها، و أخلد لها [٨] حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد [٩] و هل زوّدتهم إلاّ السّغب [١٠] أو أحلّتهم إلاّ الضّنك [١١] أو نوّرت لهم إلاّ الظّلمة [١٢] أو أعقبتهم إلاّ النّدامة؟ فهذه تؤثرون، أم إليها تطمئنّون، أم عليها تحرصون؟؟ فبئست الدّار لمن لم يتّهمها و لم يكن فيها على وجل منها، فاعلموا - و أنتم
[١] ظهر قاطع: راحلة تركب لقطع الطريق
[٢] أى: سخت نفسها لهم بفداء
[٣] أرهقتهم: غشيتهم بالقوادح - بالقاف - جمع قادح، و هو: أكال يقع فى الشجر و الأسنان، أى: بما ينهكهم و يمزق أجسادهم و فى نسخة «الفوادح» بالفاء - من «فدحه الأمر» إذا أثقله
[٤] ضعضعتهم: ذللتهم
[٥] كبتهم على مناخرهم فى العفر، و هو التراب
[٦] جمع منسم، و هو مقدم خف البعير، أو الخف نفسه.
[٧] دان لها: خضع
[٨] ركن إليها
[٩] أى: فراق مدته لا نهاية لها
[١٠] السغب - محركة -: الجوع
[١١] الضنك: الضيق
[١٢] «أو نورت لهم - الخ»: لم يكن لهم مما ظنوه نورا لها إلا الظلام