نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢١٦ - ١٠٩ - وَمِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
١٠٩ - و من خطبة له عليه السّلام
أما بعد، فإنّى أحذّركم الدّنيا فإنّها حلوة خضرة، حفّت بالشّهوات، و تحبّبت بالعاجلة، و راقت بالقليل، و تحلّت بالآمال، و تزيّنت بالغرور، لا تدوم حبرتها [١] و لا تؤمن فجعتها، غرّارة ضرّارة، حائلة زائلة [٢] نافدة بائدة [٣]، أكّالة غوّالة [٤] لا تعدو إذا تناهت إلى أمنيّة أهل الرّغبة فيها و الرّضاء بها [٥] أن تكون كما قال اللّه سبحانه و تعالى: (كَمٰاءٍ أَنْزَلْنٰاهُ مِنَ اَلسَّمٰاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبٰاتُ اَلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّيٰاحُ وَ كٰانَ اَللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) لم يكن امرؤ منها فى حبرة إلاّ أعقبتها عبرة [٧] و لم يلق فى سرّائها بطنا [٨] إلاّ منحته من ضرّائها ظهرا، و لم تطلّه فيها ديمة رخاء [٩] إلاّ هتنت عليه مزنة بلاء، و حرىّ، إذا أصبحت له منتصرة، أن تمسى له متنكّرة و إن جانب منها اعذوذب و احلولى أمرّ منها جانب فأوبى [١٠] لا ينال امرؤ
[١] الحبرة -: بالفتح - السرور و النعمة
[٢] حائلة: متغيرة
[٣] نافدة: فانية «بائدة»، أى: هالكة
[٤] غوالة: مهلكة
[٥] أى: إنها إذا وصلت بأهل الرغبة فيها إلى أمانيهم فلا تتجاوز الوصف الذى ذكره اللّه فى قوله «كماء - الخ»، فقوله: «أن تكون» مفعول لتعدو
[٦] الهشيم: النبت اليابس المتكسر
[٧] بالفتح: الدمعة قبل أن تفيض، أو تردد البكاء فى الصدر، أو الحزن بلا بكاء
[٨] كنى بالبطن و الظهر عن الاقبال و الادبار
[٩] الطل: المطر الضعيف، و طلت السماء: أمطرته، و الديمة: مطر يدوم فى سكون لا رعد و لا برق معه، و الرخاء: السعة، و هتنت المزن: انصبت
[١٠] أوبى: صار كثير الوباء، و الوباء: هو المعروف بالريح الأصفر