موسوعة الإمام الهادي(ع) - اللجنة العلمیة فی موسسة ولیعصر - الصفحة ١٦٥ - أحوال أمّه
حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن عيسى الوشّاء البغداديّ قال: حدّثنا أحمد بن طاهر القمّيّ قال: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن بحر الشيبانيّ قال: وردت كربلا سنة ستّ و ثمانين و مائتين قال: وزرت قبر غريب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثمّ انكفأت [١] إلى مدينة السلام متوجّها إلى مقابر قريش في وقت قد تضرّمت الهواجر، و توقّدت السمائم، فلمّا وصلت منها إلى مشهد الكاظم (عليه السلام)، و استنشقت نسيم تربته المغمورة، من الرحمة المحفوفة بحدائق الغفران، أكببت عليها بعبرات متقاطرة، و زفرات متتابعة، و قد حجب الدمع طرفي عن النظر، فلمّا رقأت العبرة و انقطع النحيب، فتحت بصري، فإذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه، و تقوّس منكباه، و ثفنت جبهته و راحتاه، و هو يقول لاخر معه عند القبر: يا ابن أخي! لقد نال عمّك شرفا بما حمله السيّدان من غوامض الغيوب، و شرائف العلوم التي لم يحمل مثلها إلّا سلمان، و قد أشرف عمّك على استكمال المدّة، و انقضاء العمر، و ليس يجد في أهل الولاية رجلا يفضي إليه بسرّه.
قلت: يا نفس! لا يزال العناء و المشقّة ينالان منك بإتعابي الخفّ و الحافر [٢] في طلب العلم، و قد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدلّ على علم جسيم، و أثر عظيم؛ فقلت: أيّها الشيخ! و من السيّدان؟
قال: النجمان المغيبان في الثرى بسرّمنرأى.
فقلت: إنّي أقسم بالموالاة، و شرف محلّ هذين السيّدين من الإمامة،
[١] انكفأ القوم انكفاء: رجعوا، و يقال: انكفأ إلى وطنه: مال إليه. أقرب الموارد: ٤/ ٥٦٣ (كفأ).
[٢] الخفّ بالضمّ للإبل، و الحافر واحد حوافر الدابّة، و حافر الفرس و الحمار مشتقّ من حفر الأرض. مجمع البحرين: ٣/ ٢٧٤ (حفر)، و ٥/ ٤٩ (خفف).