الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٦٠ - ١٨٢٦- المحتجون بالشعر لرجم الشياطين قبل الإسلام
يقول الناس: إنّ هذا لأمر، و إنّ هذا ليراد به أمر وقع، أو سيكون لهذا نبأ. كما تراهم يقولون عند الذوائب التي تحدث لبعض الكواكب في بعض الزمان. فمن التّرشيح و التّأسيس و التّفخيم شأن عبد المطلب عند القرعة، و حين خروج الماء من تحت ركبة جملة، و ما كان من شأن الفيل و الطير الأبابيل و غير ذلك، مما إذا تقدم للرّجل زاد في نبله و في فخامة أمره. و المتوقّع أبدا معظّم فإن كانت هذه الشهب في هذه الأيام أبدا مرئيّة فإنما كانت من التأسيس و الإرهاص، إلا أن ينشدونا مثل شعر الشعراء الذين لم يدركوا المولد و لا بعد ذلك، فإنّ عددهم كثير، و شعرهم معروف.
و قد قيل الشّعر قبل الإسلام في مقدار من الدهر أطول ممّا بيننا اليوم و بين أوّل الإسلام، و أولئكم عندكم أشعر ممن كان بعدهم.
و كان أحدهم لا يدع عظما منبوذا باليا، و لا حجرا مطروحا، و لا خنفساء، و لا جعلا، و لا دودة، و لا حية، إلا قال فيها، فكيف لم يتهيأ من واحد منهم أن يذكر الكواكب المنقضّة مع حسنها و سرعتها و الأعجوبة فيها. و كيف أمسكوا بأجمعهم عن ذكرها إلى الزّمان الذي يحتجّ فيه خصومكم.
و قد علمنا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و سلّم حين ذكر له يوم ذي قار قال: «هذا أوّل يوم انتصفت فيه العرب من العجم، و بي نصروا» .
و لم يكن قال لهم قبل ذلك إنّ وقعة ستكون، من صفتها كذا، و من شأنها كذا، و تنصرون على العجم، و بي تنصرون فإن كان بشر بن أبي خازم و هؤلاء الذين ذكرتم قد عاينوا انقضاض الكواكب فليس بمستنكر أن تكون كانت إرهاصا لمن لم يخبر عنها و يحتجّ بها لنفسه. فكيف و بشر بن أبي خازم حيّ في أيّام الفجار، التي شهدها النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بنفسه، و أنّ كنانة و قريشا به نصروا.
و سنقول في هذه الأشعار التي أنشدتموها، و نخبر عن مقاديرها و طبقاتها. فأما قوله[١]: [من الكامل]
فانقضّ كالدّرّي من متحدّر # لمع العقيقة جنح ليل مظلم
[١]تقدم البيت ص ٤٥٩.