الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٩٨ - ١٨٥٧- العث و الحفاث
و كان أبو ديجونة مولى سليمان، يدّعي غاية الإقدام و الشّجاعة و الصّرامة، فرأى حفّاثا و هو في طريق مكة، فوجده و قد قتله أعرابيّ، و رآه أبو ديجونة كيف ينفخ و يتوعّد، فلم يشك إلا أنه أخبت من الأفعى و من الثعبان، و أنه إذا أتى به أباه و ادعى أنه قتله سيقضي له بقتل الأسد و الببر و النمر في نقاب، فحمله و جاء به إلى أبيه و هو مع أصحابه، و قال: ما أنا اليوم إلا ذيخ[١]و ما ينبغي لمن أحسّ بنفسه مثل الذي أحس أن يرمى في المهالك و المعاطب، و ينبغي أن يستبقيها لجهاد أو دفع عن حرمة و حريم يذبّ عنه!و ذلك أني هجمت على هذه الحيّة، و قد منعت الرّفاق من السّلوك، و هربت منها الإبل، و أمعن في الهرب عنه كلّ جمّال ضخم الجزارة[٢]، فهزتني إليه طبيعة الأبطال، فراوغتها حتى وهب اللّه الظّفر. و كان من البلاء أنها كانت بأرض ملساء ما فيها حصاة، و بصرت بفهر على قاب غلوة، فسعيت إليه-و أنا أسوار كما تعلمون-فو اللّه ما أخطات حاقّ لهزمته[٣]حتى رزق اللّه عليه الظّفر. و أبوه و القوم ينظرون في وجهه، و هم أعلم النّاس بضعف الحفّاث، و أنّه لم يؤذ أحدا قط، فقال له أبوه: ارم بهذا من يدك، لعنك اللّه و لعنه معك، و لعن تصديقي لك ما كنت تدّعيه من الشّجاعة و الجراءة!فكبّروا عليه و سمّوه قاتل الأسد.
و مما هجوا به حين يشبّهون الرّجل بالعث، في لؤمه و صغر قدره قول مخارق الطائي، حيث يقول[٤]: [من الوافر]
و إني قد علمت مكان عثّ # له إبل معبّسة تسوم[٥]
عن الأضياف و الجيران عزّت # فأودت و الفتى دنس لئيم[٦]
و إني قد علمت مكان طرف # أغرّ كأنّه فرس كريم[٧]
له نعم لعام المحل فيها # و يروى الضّيف، و الزّقّ العظيم[٨]
[١]الذيخ: الذكر من الضباع.
[٢]الجزارة: اليدان و الرجلان.
[٣]اللهزمة: أصول الحنك.
[٤]الأبيات لعارق الطائي في الوحشيات ٢٥٠.
[٥]معبسة: عبست الإبل: علاها العبس، و هو ما يبس على هلب الذنب و الفخذ من البول و البعر، و ذلك زمن المرعى، فتسمن و يكون عليها الشحم.
[٦]عزت: منعت عن الأضياف و الجيران لعزتها على صاحبها.
[٧]الطرف: الكريم من الرجال.
[٨]الزق: زق الخمر، أي يسقي ضيفه اللبن و الخمر.