الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٣٣ - ١٦٨٧- معرفة العرب للآثار و الأنواء و النجوم
١٦٨٧-[معرفة العرب للآثار و الأنواء و النجوم]
و من هذه الجهة عرفوا الآثار في الأرض و الرّمل، و عرفوا الأنواء و نجوم الاهتداء، لأنّ كلّ من كان بالصّحاصح الأماليس[١]-حيث لا أمارة و لا هادي، مع حاجته إلى بعد الشّقّة-مضطرّ إلى التماس ما ينجيه و يؤديه[٢].
و لحاجته إلى الغيث، و فراره من الجدب، و ضنّه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تعرّف شأن الغيث.
و لأنه في كلّ حال يرى السّماء، و ما يجري فيها من كوكب، و يرى التّعاقب بينها، و النّجوم الثوابت فيها، و ما يسير منها مجتمعا و ما يسير منها فاردا[٣]، و ما يكون منها راجعا و مستقيما.
و سئلت أعرابيّة فقيل لها: أ تعرفين النجوم؟قالت: سبحان اللّه!أ ما أعرف أشباحا وقوفا عليّ كلّ ليلة! و قال اليقطريّ: وصف أعرابيّ لبعض أهل الحاضرة نجوم الأنواء، و نجوم الاهتداء، و نجوم ساعات اللّيل و السّعود و النّحوس، فقال قائل لشيخ عباديّ كان حاضرا: أما ترى هذا الأعرابيّ يعرف من النّجوم ما لا نعرف!قال: ويل أمّك، من لا يعرف أجذاع[٤]بيته؟ قال: و قلت لشيخ من الأعراب قد خرف، و كان من دهاتهم: إني لا أراك عارفا بالنّجوم!قال: أما إنّها لو كانت أكثر لكنت بشأنها أبصر، و لو كانت أقلّ لكنت لها أذكر.
و أكثر سبب ذلك كلّه-بعد فرط الحاجة، و طول المدارسة-دقّة الأذهان، و جودة الحفظ. و لذلك قال مجنون من الأعراب-لمّا قال له أبو الأصبغ بن ربعيّ: أ ما تعرف النجوم؟قال: و ما لي أعرف من لا يعرفني؟! فلو كان لهذا الأعرابيّ المجنون مثل عقول أصحابه، لعرف مثل ما عرفوا.
[١]الصحاصح: جمع صحصح، و هي الأرض المستوية الواسعة. الأماليس: جمع إمليس، و هي الأرض الملساء لا شجر بها و لا ماء.
[٢]آداه: قوّاه، أو أوصله.
[٣]فاردا: منفردا.
[٤]الجذع: ساق النخلة، و المراد بها هنا ما جعل منها سقفا للبيت.