الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٦٤ - ١٩٥٢- زعم المجوس في العظاءة
فيه، فعضّ عليها عضة اختلعت أنيابه، فلم يخلّها حتى عضضت على رأسه.
قال: فأتيت أهلي فشققت بطنه، فإذا فيها حيّتان عظيمتان إلاّ الرّأس.
قال: و هو يشدخ رأس الحيّة ثمّ يبتلعها فلا يضرّه سمّها. و هذا عنده أعجب ما فيه. فكيف لو رأى الحوّائين عندنا، و أحدهم يعطى الشيء اليسير، فإن شاء أكل الأفعى نيّا، و إن شاء شواء، و إن شاء قديدا فلا يضرّه ذلك بقليل و لا كثير.
و في الورل أنه ليس شيء من الحيوان أقوى على أكل الحيّات و قتلها منه، و لا أكثر سفادا، حتى لقد طمّ في ذلك على التّيس، و على الجمل، و على العصفور، و على الخنزير، و على الذّبّان في العدد، و في طول المكث. و فيه أنّه لا يحتفر لنفسه بيتا، و يغتصب كلّ شيء بيته؛ لأنها أيّ جحر دخلته هرب منه صاحبه. فالورل يغتصب الحيّة بيتها كما تغتصب الحيّة بيوت سائر الأحناش و الطّير و الضّب.
و هو أيضا من المراكب. و هو أيضا مما يستطاب، و له شحمة، و يستطيبون لحم ذنبه. و الورل دابّة خفيف الحركة ذاهبا و جائيا، و يمينا و شمالا. و ليس شيء بعد العظاءة أكثر تلفّتا منه و توقفا.
١٩٥٢-[زعم المجوس في العظاءة]
و تزعم المجوس أنّ أهرمن، و هو إبليس، لمّا جلس في مجلسه في أوّل الدهر ليقسّم الشّرّ و السّموم-فيكون ذلك عدّة على مناهضة صاحب الخير إذا انقضى الأجل بينهما، و لأنّ من طباعه أيضا فعل الشر على كلّ حال-كانت العظاءة آخر من حضر، فحضرت و قد قسم السمّ كلّه، فتداخلها الحسرة و الأسف. فتراها إذا اشتدّت وقفت وقفة تذكّر لما فاتها من نصيبها من السّم، و لتفريطها في الإبطاء حتى صارت لا تسكن إلاّ في الخرابات و الحشوش[١]؛ لأنها حين لم يكن فيها من السّم شيء لم تطلب مواضع الناس كالوزغة التي تسكن معهم البيوت، و تكرع في آنيتهم الماء و تمجّه، و تزاقّ الحيّات و تهيّجها عليهم. و لذلك نفرت طباع النّاس من الوزغة، فقتلوها تحت كلّ حجر، و سلمت منهم العظاءة تسليما منهم.
و لم أر قولا أشدّ تناقضا، و لا أموق من قولهم هذا؛ لأنّ العظاءة لم يكن ليعتريها من الأسف على فوت السمّ على ما ذكروا أوّلا إلاّ و في طبعها من الشّرارة الغريزيّة أكثر ممّا في طبع الأفعى.
[١]الحشوش: جمع حش، و هو بيت الخلاء.