الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٥٤ - ١٨٢٥- رد على المحتجّين لإنكار استراق السمع بالقرآن
و إمّا أن يكون نذيرا صادقا أو وعيدا إن يقدم عليه رمى به. و هذه الرّجوم لا تكون إلا لهذه الأمور. و متى كانت فقد ظهر للشّيطان إحراق المستمع و المسترق، و الموانع دون الوصول ثمّ لا نرى الأوّل ينهى الثّاني، و لا الثّاني ينهى الثّالث، و لا الثّالث ينهى الرّابع عجب. و إن كان الذي يعود غيره فكيف خفي عليه شأنهم، و هو ظاهر مكشوف؟! و على أنّهم لم يكونوا أعلم منّا حتّى ميّزوا جميع المعاصي من جميع الطاعات. و لو لا ذلك لدعوا إلى الطّاعة بحساب المعصية، و زيّنوا لها الصّلاح و هم يريدون الفساد. فإذا كانوا ليسوا كذلك فأدنى حالاتهم أن يكونوا قد عرفوا أخبار القرآن و صدقوها، و أنّ اللّه تعالى محقّق ما أوعد كما ينجز ما وعد. و قد قال اللّه عزّ و جل: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِمَصََابِيحَ وَ جَعَلْنََاهََا رُجُوماً لِلشَّيََاطِينِ [١]، و قال تعالى: وَ لَقَدْ جَعَلْنََا فِي اَلسَّمََاءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنََّاهََا لِلنََّاظِرِينَ. `وَ حَفِظْنََاهََا مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ رَجِيمٍ [٢]و قال تعالى: إِنََّا زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ `وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ مََارِدٍ [٣]و قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلىََ مَنْ تَنَزَّلُ اَلشَّيََاطِينُ `تَنَزَّلُ عَلىََ كُلِّ أَفََّاكٍ أَثِيمٍ. `يُلْقُونَ اَلسَّمْعَ وَ أَكْثَرُهُمْ كََاذِبُونَ [٤]مع قول الجنّ: أَنََّا لاََ نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ أَرََادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [٥]و قولهم: أَنََّا لَمَسْنَا اَلسَّمََاءَ فَوَجَدْنََاهََا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً. `وَ أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا مَقََاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهََاباً رَصَداً [٦].
فكيف يسترق السّمع الذين شاهدوا الحالتين جميعا، و أظهروا اليقين بصحّة الخير بأنّ للمستمع بعد ذلك القذف بالشّهب، و الإحراق بالنار، و قوله تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ اَلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [٧]و قوله تعالى: وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ مََارِدٍ. `لاََ يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلىََ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جََانِبٍ `دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذََابٌ وََاصِبٌ [٨]في آي غير [١]٥/الملك: ٦٧.
[٢]١٦-١٧/الحجر: ١٥.
[٣]٦-٨/الصافات: ٣٧.
[٤]٢٢١-٢٢٣/الشعراء: ٢٦.
[٥]١٠/الجن: ٧٢.
[٦]٨-٩/الجن: ٧٢.
[٧]٢١٢/الشعراء: ٢٦.
[٨]٧-٩/الصافات: ٣٧.