الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٤٤ - جملة القول في نصيب الضباب من الأعاجيب و الغرائب
و زعم أصحابنا أنّ أبا المنجوف السّدوسيّ روى عن أبي الوجيه العكليّ قوله[١]: [من الطويل]
و أفطن من ضبّ إذا خاف حارشا # أعدّ له عند التلمّس عقربا
جملة القول في نصيب الضباب من الأعاجيب و الغرائب
أوّل ذلك طول الذّماء، و هو بقيّة النّفس و شدّة انعقاد الحياة و الرّوح بعد الذبح و هشم الرّأس، و الطّعن الجائف النافذ، حتّى يكون في ذلك أعجب من الخنزير، و من الكلب، و من الخنفساء، و هذه الأشياء التي قد تفرّدت بطول الذّماء.
ثمّ شارك الضّبّ الوزغة و الحيّة، فإن الحية تقطع من ثلث جسمها، فتعيش إن سلمت من الذّرّ. فجمع الضّبّ الخصلتين جميعا. إلا ما رأيت في دخّال الأذن من هذه الخصلة الواحدة، فإنّي كنت أقطعه بنصفين، فيمضي أحد نصفيه يمنة و الآخر يسرة. إلا أنّي لا أعرف مقدار بقائهما بعد أن فاتا بصري.
و من أعاجيبه طول العمر. و ذلك مشهور في الأشعار و الأخبار، و مضروب به المثل. فشارك الحيّات في هذه الفضيلة، و شارك الأفعى الرّمليّة و الصّخرية في أنّها لا تموت حتف أنفها، و ليس إلا أن تقتل أو تصطاد، فتبقى في جون الحوّائين، تذيلها[٢]الأيدي، و تكره على الطّعم في غير أرضها و هوائها، حتى تموت، أو تحتملها السّيول في الشّتاء و زمان الزّمهرير، فما أسرع موتها حينئذ، لأنّها صردة. و تقول العرب: «أصرد من حيّة» ؛ كما تقول: «أعرى من حية» [٣]. و قال القشيريّ: «و اللّه لهي أصرد من عنز جرباء» [٤].
[١]البيت بلا نسبة في التاج (خدع) ، و الكامل ١/١٥٨ (المعارف) ، و مجمع الأمثال ١/٢٦٠.
[٢]تذيلها: تهينها.
[٣]مجمع الأمثال ٢/٥٤، و جمهرة الأمثال ٢/٣٤، و المستقصى ١/٢٤١، و الدرة الفاخرة ١/٢٩٨.
[٤]مجمع الأمثال ١/٢١٣، و جمهرة الأمثال ١/٥٨٥، و المستقصى ١/٢٠٧، و الدرة الفاخرة ١/٢٦٧، و أمثال ابن سلام ٣٦٧. ـ